هل ترسخ أفلام الرسوم المتحركة مفاهيم خاطئة في حياتنا؟

نافدة اليمن / رويترز

هل تصدر صفيرا خلال أدائك لعملك كما جاء في أغنية أدتها "سنووايت" للأقزام السبعة؟ وهل ضبطت نفسك تردد عبارات من قبيل "واصل السباحة فحسب" التي وردت في فيلم "البحث عن السمكة نيمو"؟

إذا كنت من بين هؤلاء فمرحبا بك في نادي "أطفال ديزني" ممن تربوا على تلقي "وجبات منتظمة من الحكايات المرحة"، التي استهدفت إبقاءهم مشغولين، بينما كان ذووهم ينعمون ببعض الوقت لأنفسهم.

إن الجيل الذي تعج به الآن طرقات الشركات والمؤسسات وأماكن العمل، هو ذاته الذي جلس في السابق مطولا على مائدة حافلة بولائم عامرة بأفلام الرسوم المتحركة، خلال سنوات تكوين وعيه ومعرفته، كما لم يحدث لأي جيل قبله.

وقبل ثلاثين عاما، بدأ عرض فيلم "حورية البحر الصغيرة"، وبعد أقل من ستة أشهر من ذلك بدأ تداوله على أشرطة فيديو. وشكل هذا تغيرا كبيرا عما كانت تعتاده "ديزني" وقتذاك، من أن ترجئ طرح أفلامها على مثل هذه الأشرطة، إلى ما بعد مرور سنوات طويلة من بدء عرضها في دور السينما.

وهكذا فخلال عقد التسعينيات، لم يفصل سوى عام على الأكثر بين العرض السينمائي لأفلام "ديزني" التي أُنتجِت آنذاك، وبين طرحها على أشرطة فيديو، مثلما حدث مع أفلام "علاء الدين"، و"الجميلة والوحش"، و"الملك الأسد"، بجانب الجزئين الأولين من "قصة لعبة".

بعد ذلك، بدأ عصر أقراص الفيديو الرقمية "دي في دي". وكان أول فيلم تطرحه "ديزني" على هذا الوسيط الجديد هو "حورية البحر الصغيرة" عام 1999. وتميزت هذه الأقراص بأنها أقل عرضة للتلف أو الإصابة بأضرار بسبب كثرة تشغيلها، ما جعلها "جليسة أطفال إليكترونية" مثالية.

لكن هل كان لهذا المزيج الذي تقدمه "ديزني" من دروس أخلاقية وصور نمطية ولمسات سحر أي تأثير دائم على هذا الجيل من البالغين الذي التهم في يوم ما هذه الأفلام خلال طفولته؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على الطريقة التي يعاملك بها زملاؤك في العمل، أو يخلّف تأثيرا حتى على مسيرتك المهنية في المستقبل؟

يرى مارتين غريفين، خبير المفاهيم الثقافية المتعلقة بالمنظمات وأماكن العمل في جامعة درام البريطانية، أن "ديزني (وأفكارها) مستشرية بشدة في ثنايا ثقافتنا الحديثة. أشرطة الفيديو المنزلية عرّضت الأطفال مرارا وتكرارا للأفكار الواردة في أفلام هذه الشركة. ومن الحتمي أن يكون لهذا تأثير، إذا كان الأطفال يفعلون ذلك منذ نعومة أظفارهم".

من الوجهة الظاهرية، تبدو أفلام الرسوم المتحركة هذه بمثابة ترفيه لا ضرر فيه. لكن بعض الباحثين أعربوا عن مخاوفهم من وجود رسائل "مُضمرة" في محتوى الأعمال التي تقدمها "ديزني". وتنصب أكثر الانتقادات شيوعا في هذا الصدد على الطريقة التي جرى من خلالها في الماضي، تقديم صور نمطية تتعلق بالنوع والعرق والثقافة. فعلى سبيل المثال، تتضمن الأغنية الافتتاحية لفيلم "علاء الدين" الذي بدأ عرضه عام 1993، عبارة تصف مكانا ما بالقول إنه يمثل تلك البقعة التي "يقطعون فيها أذنك إذا لم يرق لهم وجهك". وقد حذفت "ديزني" ذلك لاحقا.

التأثير الدائم للصور النمطية

ويميز بعض الباحثين بين حقبتين مختلفتين في تاريخ "ديزني" على صعيد الطريقة التي صوّرت بها الشخصيات النسائية. أولاها يمكن تسميتها بـ "الحقبة التي تظهرهن بداخل البيوت"، وظهرت فيها شخصيات مثل "سنووايت" و"سليبينغ بيوتي" و"سندريلا" كربات بيوت، نشاهدهن في أغلب الأحيان، وهن يقمن بأعمال التنظيف، وفي حاجة لرجل لينقذهن.

أما الحقبة الثانية فهي "المرحلة المتمردة" التي تضمنت شخصية مثل "أرييل" في "حورية البحر الصغيرة" و"الأميرة ياسمين" في "علاء الدين". وفي هذه المرحلة، بدت نساء "ديزني" وقد اكتسبن مسحة أكبر من الاستقلالية، وظهرن وهن يكافحن لتحرير أنفسهن من قيود المجتمع وروابطه. لكن ذلك لم يمنع من أن تضحي "أرييل" مثلا بصوتها لكي تبقى مع الرجل الذي تحب.

لكن باحثين في جامعة كولورادو الأمريكية قالوا في إحدى الدراسات: "الرمزية هنا قوية. فمن أجل نيل حب الأمير، تعين عليها التخلي عن أفكارها وفطنتها واستقلاليتها وهويتها". وبالرغم من أن قصة الفيلم كتبت من الأصل على يد هانس كريستيان أندرسن، فإن الباحثين يقولون إنها تتضمن في هذا الشأن تشبيها ملائما للغاية، للتعبير عن وضع الكثير من بطلات "ديزني" وهو أن "لا أحد ينصت إلى كلماتهن".

وبداية من فيلم "حورية البحر الصغيرة" ولخمسة أفلام تالية، اصطبغت بطلات "ديزني" بطابع جديد، إذ بدأت الشخصيات النسائية في الأعمال التي تنتجها الشركة، في الحديث بقدر أقل. فعلى الرغم مثلا من أن "حورية البحر الصغيرة" نفسه يحمل في عنوانه اسم بطلته، فإن نسبة حديث بطلاته لم تتعد 32 في المئة من وقته، وهي النسبة التي تقلصت في "بوكاهانتس" إلى 24 في المئة ثم بلغت 23 في المئة فحسب في "مولان"، إلى أن بلغ بها الحال في "علاء الدين" إلى 10 في المئة لا أكثر من الجُمل الحوارية.

وقد تم استخلاص هذه النسب من دراسة تحليلية، أجراها باحثان في اللغويات في جامعة نورث كارولاينا ستيت بالولايات المتحدة. وكشفت الدراسة كذلك عن أن الشخصيات الذكورية في هذه الأفلام نفسها، كانت تميل إلى السيطرة على نظيرتها النسائية بنسبة تفوق كثيرا حدوث العكس. كما أفادت دراسات أخرى بأن ثمة زيادة في مستويات الشك والغموض في الُجمل الحوارية المُعطاة للنساء في هذه الأعمال.

ويرى منتقدون للمضامين التي تقدمها "ديزني" في أفلامها، أن مثل هذا الأمر يوجه رسالة قوية للأطفال الصغار؛ تعزز الكثير من الصور النمطية المترسخة منذ أمد طويل بشأن الفروق بين الجنسين. كما أن هناك أدلة تفيد بأن ذلك قد يُخلّف انطباعات دائمة في العقول.

وقد أجرت الباحثة في الحياة الأسرية، سارا كوين من جامعة بريغام يانغ البريطانية، دراسة حول تأثير أفلام "ديزني"، وذلك بفعل مخاوفها هي نفسها من مشاهدة ابنتها لتلك الأعمال وما سينجم عن ذلك من تأثيرات. وكشفت الدراسة عن أن اهتمام الفتيات بعمر الثانية أو نحو ذلك بأميرات "ديزني" يرتبط بتبني سلوكيات يُنظر إليها بصورة نمطية على أنها ذات طابع أنثوي. وبحسب الدراسة، يرتبط ذلك أيضا في وقت لاحق بقلة ثقة الفتاة الصغيرة في جسدها واحترامها له.

شيطنة المصابين باضطرابات عقلية

من جهة أخرى، تواجه "ديزني" انتقادات على خلفية تعاملها مع المصابين بمشكلات تتعلق بالصحة العقلية. وبحسب باحثين نفسيين في جامعة كالغاري الكندية، تتضمن 85 في المئة من أفلام الرسوم المتحركة الـ 34 التي أنتجتها "ديزني" قبل عام 2004، إشارات إلى مثل هذه المشكلات. وغالبا ما تُستخدم هذه الإشارات على نحو يُحقر من تلك الشخصيات أو يميز واحدة منها على الأخرى.

وحذر الباحثون من أن ذلك قد يُخلّف تأثيرات على رؤى الأطفال ووجهات نظرهم فيما يتعلق ببلورتهم توجهات تنطوي على تحيز مسبق حيال من يُعتقد أنهم يعانون من مشكلات على صعيد الصحة العقلية.

وقد حذر الفريق البحثي نفسه من أن استخدام إشارات ورموز للشر بشكل كبير في أفلام "ديزني"، قد يقود الأطفال إلى تعلم "شيطنة الأشخاص الذين ينخرطون في سلوكيات تُصنّف على أنها سيئة"، وذلك إذا شاهدوا تلك الأعمال بشكل متكرر.

ويقول باحثون أمريكيون في علم الاقتصاد السلوكي إن ذلك قد يؤدي إلى مشكلات اجتماعية أوسع نطاقا في عصرنا الحالي. ويشيرون إلى أن أفلام "ديزني" تصوّر على الدوام تقريبا "معركة بين الخير والشر. ولا يسع المرء هنا سوى التساؤل عما إذا كانت هذه الطريقة التي تشيعها `ديزني` لفهم العالم على أنه صراع بين الأخيار والأشرار، تشكل جزءا من مشكلاتنا اليوم المتعلقة بالاستقطاب السياسي والإقصاء المجتمعي أم لا".

الإيجابيات الخفية

لكن هناك الكثير من التأثيرات الإيجابية المحتملة، التي يمكن أن تُخلّفها أفلام "ديزني" كذلك. فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن مشاهدة الشخصيات التي تظهر في هذه الأفلام وهي تساعد بعضها بعضا - وهو موضوع مشترك بين هذه الأعمال - يلهم الأطفال لمساعدة أصدقائهم هم أنفسهم.

وكشفت دراسة أخرى أجرتها سارا كوين النقاب عن أن أفلام "ديزني" ثرية بالسلوكيات الاجتماعية الإيجابية، مثل المشاركة ومساعدة الغير أو التفوه بعبارات المجاملة أو التشجيع. ووجدت كوين وزملاؤها أن هذه الأعمال تتضمن كل دقيقة - في المتوسط - تصرفا يندرج على قائمة هذه السلوكيات الإيجابية، وهو ما يزيد بواقع سبع مرات على ما تحتوي عليه برامج التليفزيون الأخرى الموجهة للأطفال في الولايات المتحدة.

ويرى باحثون آخرون أن الرسائل التي يستخلصها الأطفال في حداثة أعمارهم من الأفلام، يمكن أن تستمر معهم لحين وصولهم إلى سن العمل وخوضهم غماره كذلك، وهو ما يعني أن ثمة فرصة لا بأس بها في أن يكون هناك شخص ما يجلس بالقرب منك في مكان عملك، تشكلت بعض أفكاره ومفاهيمه من خلال أفلام "ديزني".

وقد درس هؤلاء الباحثون كيف تم تصوير بيئات العمل في أفلام "ديزني"، وقالوا إن الطريقة التي جرى بها ذلك ربما تكون قد أسهمت في أن يوجد لدى الشريحة الشابة من القوى العاملة، شعور بالإحجام عن الانضمام إلى أماكن العمل التقليدية. كما أن أبناء جيل الألفية يطلبون قدرا أكبر بكثير من المرونة من أرباب عملهم مُقارنة بالأجيال السابقة عليهم، ولديهم استعداد أكبر كذلك لتغيير وظائفهم، ويفضلون غالبا العمل الحر على العمل بدوام كامل، بكل ما يحيط به من قيود.

ويقول الباحثون: "في الأفلام الأولى، كان العمل يُصوّر على أنه شيء سيء على نحو مروع.. إذ تجد شخصيات فُرِّقَ بينها وبين ذويها، وعوقبت بوضعها في عالم العمل هذا، مثل `سنووايت` التي نراها وهي تملأ دلو غسل الثياب، وتعمل بشكل مضنٍ ومستمر في مختلف أنحاء المنزل".

وبحسب الباحثين؛ كان رد فعل تلك الشخصيات كما صوّرته "ديزني" في أفلامها، يتمثل في أمر مثل "صفّر وأنت تعمل" وكل شيء سيصبح على ما يرام "وسيأتي الأمير لإنقاذك. وهو الأمر الذي استمر في الأفلام لسنوات طويلة".

ويرى هؤلاء أن تأمل موقف مثل هذا في بيئة عمل حديثة يكشف مدى خطورته، في ضوء أن الدرس المستخلص منه يحض المرء على أن يواصل التعرض للاستغلال "نظرا لأنه يحسب أن كل شيء سيتحول فيما بعد، ويصبح على ما يرام".

بجانب ذلك، صُوِّر المديرون على أنهم متلاعبون وشديدو السوء، وبوسعك أن تتذكر في هذا الصدد ابنتي زوجة والد سندريلا القبيحتين.

وربما يفسر ذلك - برأي الباحثين - شعور الاستياء حيال العمل الذي يكنه أبناء جيل الألفية، ممن كانوا أطفالا في أواخر تسعينيات القرن الماضي.

على أي حال، لم تستجب "ديزني" لطلبات متكررة تلقتها من "بي بي سي" لإجراء مقابلة أو الإدلاء بتعليق لنشره في هذا الموضوع. لكن الكثير من الباحثين لاحظوا في أفلامها الأخيرة تغيرا ملحوظا. وقالوا إنه يتم تصوير المهن والوظائف بشكل أكثر إيجابية، وعلى أنها شيء يطمح له المرء.

ويضرب الباحثون مثالا في هذا السياق بفيلم "زوتوبيا" الذي يعتبرونه "نموذجا عظيما لكيفية تصوير العمل في أفلام ديزني. إذ يظهر الفيلم أنثى أرنب ترغب في العمل ضابطة شرطة وتتمكن من إثبات نفسها وجدارتها بمرور الوقت، بالرغم من أنها تتعرض للسخرية. كما تتضمن الأفلام الأحدث، فكرة أن يُقرّب المرء أصدقاءه منه لمساعدته على تغيير هويته ومكان عمله وهي رسالة إيجابية بحق".

وتعبر الشخصيات النسائية التي تتضمنها أفلام مثل "ملكة الثلج" و"أسطورة مريدا" و"موانا" عن عصر جديد، تظهر فيه الشخصيات النسائية في أعمال "ديزني"، وهي ذات طابع مستقل وبعيد عن التقليدية. وتبدو هذه الشخصيات أيضا، وهي تتسم بالقوة وتمتلك زمام أمور حياتها، ولم تعد في حاجة لشخصية ذكورية لإنقاذها من المآزق.

ويقول باحثون نرويجيون درسوا علاقة الأطفال بـ "ديزني" إن الشركة تحاول أن تواكب كل العصور عبر الإشارة إلى المساواة بين الجنسين وضرورة أن يتم تمثيل كل منهما على نحو منصف.

ويضيف هؤلاء أنه ليس بوسعهم التعرف على طريقة تأثير ذلك على الأطفال على المدى البعيد "لكن ترسيخ فكرة التمثيل العادل مهمة وكذلك ترسيخ فكرة التنوع".

ومن بين الأمور التي تحظى بالقدر الأكبر من الحفاوة ربما، إقدام "ديزني" على إعادة إنتاج أفلامها الكلاسيكية القديمة من فئة الرسوم المتحركة، مثلما حدث مع "علاء الدين" وسيحدث قريبا مع "مولان".

وتقول شيرون روبرتس، التي تدرس تبدل الوعي الاجتماعي لـ "ديزني" في إحدى الجامعات الأمريكية، إن إعادة الشركة صياغة أعمالها القديمة "ذو تأثير هائل على الأطفال الملونين. ديزني تقدم في عقدها الحالي للفتيات كل ما يحتجن إليه لكي يحلمن بكل ما يردنه، بما يتجاوز القلاع (والصور النمطية القديمة التي كانت تظهر في أفلامها) وكي يتخيلن المدى الكامل لقدراتهن".

وتضيف روبرتس: "يشكل ذلك رسالة أيضا للصبية الصغار مفادها أن الفتيات والنساء لا يشكلن فقط كائنات يكنون لهن المشاعر والعواطف، وإنما حليفات لهم في تخليص حياتهم من الشر، وجعل العالم أفضل بالنسبة للجميع".