في عمق تصنيف المفكرين

نافذة اليمن - الدكتور/محمد حميد غلاب الحسامي

 

القراء الكرام...

إنه وبدون الدخول في جدلية التعاريف المتنوعة والعديدة لكلمة,,مفكر,, لغويا واصطلاحا وفلسفة وغيرها من التعريفات الأخرى...,وكذلك الفروقات المختلفة بين المفكر والمثقف,وبين المفكر والفيلسوف, وبين المفكر والأديب ,وبين المفكر والعالم المختص.., وبين المفكر والشاعر, ومتى يكون الشخص مفكرا, بمعنى ماهي الصفات والمقاييس والمعايير التي من خلالها يمكن بأن نحكم على شخص ما أو نقول عنه ونطلق عليه كلمة أو مصطلح,, مفكر,,...الخ.

إلا أنه يمكن القول عموما وبإيجاز شديد, بأن المفكر- كما يعرفه الأستاذ/الدكتور/ عبدالكريم بكار- هو:

 ( من يملك رؤية نقدية ينقل من خلالها تناقضات مجتمعه ومشكلاته إلى حسِّ الناس وأعصابهم ، لتصبح إحدى مفردات همومهم اليومية ، وهو بما يعرف من سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق ، وبما يملك من رؤية شاملة فاحصة للواقع والتاريخ يتمتع بـ (حاسة الاستشعار عن بعد) ، فيرى ما لا يراه الناس ، فينذرهم ويوجههم نحو طريق الفلاح . وكثيراً ما تكون حياة المفكر قلقة ، بل قد يدفع حياته ثمناً لما يحمل من فكر ، إذ أن المفكر كثيراً ما يكون سابقاً لمعاصريه ، وهذا يجعل إدراك أبعاد ما يقول غير متيسر لأكثرهم ، كما أن ما يحدثه من استبصار في مشكلات أمته يتعارض مع مصالح فئات في المجتمع ، تقتات من وراء وجود تلك المشكلات ، مما يثيرها عليه ، ويجعله هدفاً لها .)

بمعنى أن المفكر لكي يصير ويصبح مفكرا...لابد من تتوفر فيه ثلاثة خصال رئيسية هي:

الأولى : بأن يكون ملما إلماما تاما بتراث مجتمعه أو شعبه أو أمته, من جميع جوانبه ونواحيه التاريخية والدينية والفلسفية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية...الخ, وأماكن القوة والضعف في ذلك التراث...

الثانية : أن يتبع في دراسته لذلك التراث منهجا علميا تحليليا, بحيث يستطيع بأن يصنف ذلك التراث...تصنيفا حقيقيا وفقا للمنهج العلمي التحليلي المتبع في دراسته تلك.....

الثالثة : أن يكون مهموما ومهتما إلى أقصى درجة من الوله والمرض بقضايا مجتمعه وشعبه وأمته وأن تسكنه الرغبة الجامحة والشديدة لإخراجها مما هي فيها...وعليها...حتى لو أدى ذلك به إلى التضحية بوجوده المادي الحياتي...,وهذا هو الأهم في ذلك...

أما الفيلسوف الألماني / فريدريك نيتشه / فإنه يصنف المفكرين, بحسب بحسب نظرتهم واستياعبهم الفكري والمعرفي لتراث مجتمعاتهم وشعوبهم وأممهم, إلى ثلاثة أصناف هم:

الصنف الأول :المفكرون السطحيون :

وهم أولئك المفكرون الذين ينظرون إلى الأمور بسطحية تامة وبسيطة لا تتعدى القشور السطحية الظاهرة ولو حتى بجزء قليل من المليمترات ومن ثم التعامل مع تلك الأمور وفقا لتلك النظرة السطحية, وهم الأكثر عددا والأوسع انتشارا والأكثر تأثيرا في مجتمعاتهم وشعوبهم وأممهم....

الصنف الثاني: المفكرون العميقون :

وهم أولئك المفكرون الذين ينظرون إلى الأمور بعمق ,لكنهم لا يستطيعون الغوص عميقا عميقا حتى الوصول إلى قعر الأشياء, ومن ثم يتعاملون مع تلك الأمور وفقا لتلك النظرة العميقة..., وهم الأقل عددا والأضيق انتشارا والأقل تأثيرا في مجتمعاتهم وشعوبهم وأممهم....

الصنف الثالث : المفكرون العميقون جدا جدا أو المفكرون العمق :

وهم أولئك المفكرون الذي ينظرون إلى الأمور بنظرة عميقة جدا جدا تصل إلى قعر الأشياء وعمقها, بل قد تتعداها, ويمكن بأن يكونوا قريبون جدا من تعريف الأستاذ الدكتور / عبدالكريم بكار لمصطلح ,,مفكر,, ومن ثم يتعاملون مع تلك الأشياء وفقا لتلك النظرة العميقة جدا جدا, وهم الأندر في مجتمعاتهم وشعوبهم وأممهم ,بل قد يصل الأمر بتلك المجتمعات والشعوب والأمم للانتظار طويلا طويلا قد تصل إلى قرون لكي تنجب واحدا أو أكثر منهم, فهم الوحيدون القادرون على تفكيك ذلك التراث السلبي لتلك المجتمعات والشعوب والأمم وإخراجها مما هي فيها...وعليها....

وعليه :

فإننا إذا نظرنا وبعمق عميق إلى واقعنا كأمة وكشعوب وكمجتمعات وما نحن فيه..وعليه....لوجدنا بأننا في أمس الحاجة إلى ذلك الصنف الثالث من المفكرين...وإلى وجودهم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو :

هل نملك نحن كأمة...أولئك الصنف الثالث من المفكرين...؟ وإن وجدوا أين تأثيرهم ومداه ودرجته؟ أم أنه مازال أمامنا وقت طويل للانتظار لهم..؟

والأهم من كل ذلك هو :

هل ما نحن فيه...وعليه....قد وصل إلى تلك الدرجة القصوى التي تكون كفيلة بإيجادهم, أم أن الأمور لم تصل بنا بعد إلى تلك الدرجة...؟؟!!

...............

#الخلاصة :

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه :

عندما نفكر كثيرا وبذكاء لا يتغير الوجه فقط، بل إن الجسد بكامله يلبس الذكاء.

بكم..يتجدد الأمل..ويتحقق

 

مقالات الكاتب