تبادل الأسرى ليس بداية حلٍّ في اليمن

نافذة اليمن/ الكاتب - عبدالوهاب بدرخان

 

اقتصرت عملية تبادل أسرى في اليمن على طابعها الإنساني، وهو مهمّ بطبيعة الحال، إلا أنها خلت من أي مدلول سياسي، حتى في ما درج المبعوث الأممي على وصفه بـ«خطوات بناء الثقة»، لكن الإفراج عن 1081 أسيراً فقط من الجهتين دلّ على أن ملمح «الثقة» لا يزال بعيد المنال، نظراً إلى الرقم المتداول للأسرى يربو على خمسة عشر ألفاً. وبما أن عمليات تبادل محدودة تمّت سابقاً عبر قنوات مختلفة، فإن تلك التي ترعاها الأمم المتحدة، ويشرف الصليب الأحمر على تنفيذها باتت تُستخدم من جانب الانقلابيين في صنعاء للابتزاز والضغط للحصول على مكاسب، لعل أهمها الاعتراف بهم وتكريس فكرة أن الأزمة في اليمن هي بين أطراف يفترض أن تُعامل بالتساوي، وليست بين حكومة شرعية ومتمرّدين عليها، وبهذا المعنى يخضع وضع لوائح المفرج عنهم لمقايضات تمييزية بين أبناء بلد لم يعد واحداً.

يدرك مارتن غريفيث الصعوبات لكنه يعتبر أنه حصل أخيراً على «إنجاز» بعد عامين ونصف على تسلّمه المهمة، خصوصاً تبادل الأسرى الذي اتُّفق عليه قبل عامين ضمن «إنجاز» أكبر هو اتفاق ستوكهولم الذي لم ينفّذ بعد، ولا يعتقد أحد أنه سينفّذ، إلا أن الحوثيين حصلوا منه على وقف الحملة على الحُديدة، وهو ما كانوا يريدونه في ذلك الوقت، وخلال ساعات إتمام تبادل الأسرى أبلغ غريفيث مجلس الأمن أن التوتّر والتصعيد سائدان في مأرب والحُديدة، وأنه يواصل جهوده لتأمين اتفاق على «إعلان مشترك» لوقف إطلاق النار، في إطار خططه لاستئناف التفاوض السياسي، ومع كل نسخة معدّلة لذلك «الإعلان»، يراهن المبعوث الأممي على أي تغيير قد يكون طرأ على تقويم كل طرف لمصلحته في وقف إطلاق النار، وعلى استعداده لتقديم تنازلات، ومن الواضح أنه يتوقّع التنازل من جانب الحكومة، لاستحالة ذلك من الجانب الحوثي، الذي يعتبر الحل السياسي مجرد ورقة للمماطلة وكسب الوقت.

ورغم أن الحوثيين توقفوا ظاهرياً عن التعامل مع المبعوث الأممي، إلا أنهم يبدون له شيئاً من الإيجابية كلما تقدّم باقتراح يناسب أهدافهم، ففي هذه المرحلة يستخدمون الضغط على مأرب للسيطرة بالقوة على منشآت النفط وتوطيد سلطتهم، أو للحصول على استئناف ضخ النفط إلى مناطقهم من خلال التفاوض، وعدا ذلك يرون أن الهدف من وقف إطلاق النار هو مجرد إجهاض لهجومهم على مأرب من دون مكاسب، يحاول الحوثيون هنا تكرار تجربة الحديدة، حين أوقف «تحالف دعم الشرعية» هجومه لاعتبارات إنسانية ولأخرى تتعلّق برغبة المجتمع الدولي في إعطاء فرصة لاتفاق ستوكهولم، الذي كان قد طرح صيغة لعودة الشرعية إلى الحديدة، لكن الحوثيين أبطلوها ولم يتمكن المجتمع الدولي من محاسبتهم.

ويختلف الأمر في مأرب، حيث يمارس الحوثيون لعبة عكسية يعتقدونها ممكنة من خلال التلاعب بالدور الأممي وتطويعه، في الحديدة أبقوا الميناء وموارده بإشرافهم وفي خدمتهم، لكنهم لن يحصلوا على نفط مأرب لدعم اقتصادهم، مع افتراض تمكّنهم من السيطرة عليه، لذلك يضغطون على مساعي غريفيث بالعودة إلى الشروط الأولى، التي كانت حدّدتها إيران لتسهيل حل الأزمة، وأبرزها إعلان «التحالف» وقف الحرب، علّهم يحصلون على تنازلٍ ما كرفع الحصار عن مطار صنعاء والموانئ، وأي تنازلٍ سيعني بداية اعتراف بدولة الحوثيين.