المنفى والمقهى والوطن (1-2)

نافذة اليمن/ الكاتب - عبدالستار سيف الشميري

 

 

عندما يتحول الوطن إلى حُلم، حتى لو كان حُلم الموت هو آخر الأحلام والعودة إليه في صورة جثمان في تابوت لإلقاء النظرة الأخيرة، ذاك هو رعب المنفى.

عندما تشاهد المئات من أبناء الوطن يقفون في الطوابير لعمل إقامة في بلدهم الجديد، أو النضال للتسجيل في دفاتر اللجوء أو في قوائم الانتظار منتظرين مِنَّةَ البلد الذي قادهم المقام فيه، ذلك هو المنفى.

وعندما يتحول الوطن لندبة، أو مقبرة وساحة أحزان، واحتراب غير معروف النهاية، ذاك هو شقاء المنفى، وتلك هي تعاسة الحرب التي تهدم فكرة الوطن.

عندما يغيب الوطن ونحاول استدعاءه فقط عبر الفضاء الإلكتروني أو من صندوق الذكريات كل يوم هذا هو المنفى، في صورة سجن الأشواق.

وبعيداً عن الغوص في الأبعاد الاجتماعية والنفسية والأسباب ومصطلح ما يمكن أن نسميه منفى وما يمكن أن يكون خارج هذا التعريف، وإشكالية مفهوم المنفَى، وكذلك أنواع النفي؛ الطوعي والإجباري، أو حتى التفرقة بين النفي والهجرة، أو الاغتراب وغيرها، مما يتصل بموضوع البعد عن الوطن، بعيدا عن ذلك كله، أحاول هنا مرورا عابرا لتجربة شخصية في أربع مناف وابتعاد عن الوطن، في فترات زمنية مختلفة ولأسباب مختلفة وفي أوطان مختلفة، مستصحبا معي تأملات في تجارب الأصدقاء، في المنفى وكذلك مشاهدات عابرة.

ويحضر هنا بالضرورة المقهى الذي يشكل جزءاً من المنفى والزمن الضائع أو الزمن الذي يحاول المنفي تعويضه بطرق مختلفة ويكون المقهى هو البراح الأمن والبستان والمنتدى والبيئة الاجتماعية الجديدة، ومركز رئيس للترفيه والتنفيس.

ويمكن وضع تعريف مبسط للمنفَى اجتهادا أنه الملاذ والملجأ البديل الآمن أو البديل الذي يعطيك حق البقاء والحياة والعمل أحياناً.

وينطبق هذا على كل حالات النفي وكذلك حالات الغربة، وسواءً كان النفي إجباريا بسبب الحروب التي اضّطر إليها الكثيرون، أو بسبب الاغتراب بسبب الظروف المعيشية والحاجة للعمل.

 ومهما تعددت وتنوعت، وتباينت أسباب هذا النفي بكافة أشكاله أو الاغتراب حتى لو كان ذلك الاغتراب والنفي داخل الوطن أحيانا، على حد تعبير البردوني: 

"يمانيـون فـي المنـفـى ومنفيـون فـي اليـمـن 

لمـاذا نحـن يـا مربـي ويـا منفـى بـلا سكـن 

بـلا حلـم بـلا ذكــرى بلا سلـوى بـلا حـزن؟"

تبقى تجربة المنفى قاسية تحفر في عمق الوجدان وتغرس أثرها الحارق وتجربتها المريرة، وتؤسس أحيانا لعزلة نفسية عن العالم والمحيط الاجتماعي، وعزلة شعورية نفسية قاسية للبعض، وتشرخ الروح والنفس بشروخ لا التئام لها، بين الذات وبين الروح ومكانها الأصلي وموطنها الحقيقي، وبين ما هو مستجد، بكل قساوته أحيانا وبكل تفاصيله التي قد تكون مريحة أحيانا.

لكن هذا الانشطار يبقى ماثلا، وبينا واضحا، حتى مفهوم الوطن والإيمان به يعاد النظر فيه لدى البعض بفعل قساوة التجربة أو الانعزال الكلي عن الوطن وأخباره.

وهنا يحصل تضارب الهويات، ومطاردات هويات متعدّدة؛ هوية وطن الَنَّفْى وهوية الشَّتات والتيه في المنفَى.

كل ذلك يؤكّد فكرة جوهرية تلخص الوجع المُستمر وتنبئ عن لا استقرار الهوية.

 لا شك أن فكرة الهجرة أثيرة وغارقة في القدم. وجلبت الكثير من الفوائد للبشرية ابتداء بالكشوفات العلمية وتحسن مصادر العيش والحرية المفقودة وغير ذلك الكثير مما يشبع الفضول ويثير الحماسة للسفر بكل ما فيه من إغراء احيانا، بل لعل ذلك نادر، لا سيما عندما يكون وليد مصادفة فرصة ما متعلقة بدراسة أو عمل نوعي موقت ثم العودة للوطن.

ولي تجربة مع الغربة والمنفى كبيرة ومديدة، طبعت في نفسي أثرا بالغا على كل مجريات حياتي وتفاصيل شخصيتي، بكل نقائصها ونقائضها وما يمكن أن يكون حسنا فيها أيضا.

وقد اكتشفت في الاغتراب والمنفى ذاتي بحسب تعبير ادوار سعيد عندما قال: "لا يمكن اكتشاف ذواتنا إلا في الاغتراب أو هي فرصة لذلك".

لقد شكلت تجربتي الشخصية لحالات مختلفة من الاغتراب الذي فيه الكثير من الإغراء والحماسة وفيه ما كان عكس ذلك تماما وفيه الشقاء وانتزاع الروح من البدن كاقرب تصوير لحالة المنفى الاجباري، لقد جربت الغربة والمنفى في أربع دول هي أمريكا والسعودية وتركيا ومصر، بعضها تجاوزت الخمس السنوات وبعضها أقل وبعضها اغتراب اختياري بسيط وبعضها لا يزال قيد التشغيل وقد يستمر طويلا إذا واصلت الحرب أوزارها في اليمن.

في امريكا رأيت كيف يعيش العربي مغتربا عن مكانه وزمانه، لا سيما اليمني على وجه الخصوص حتى بدا لي الأمر من تجارب وسلوكيات العرب واليمنيين بالذات، أن ما يقومون به حالة حرب مع الوطن الجديد وهويته ومفردات سلوكياته ونظامه العام، وكأنهم يمارسون جريمة اختراق للنسيج الثقافي الأمريكي المتنوع والمنسجم في آن، من خلال معادلات وقوانين ناظمة ووازنه تحفظ خطوطه العريضة.

لكن ما تقوم به بعض الجاليات العربية والمجموعات الدينية هو تلويث مكتمل الأركان، لنقاء المجتمع وقيمه التي ترسخت بفعل التراكم وبفعل المدنية والعلمانية وغير ذلك.

بالنسبة لتركيا والسعودية ومصر فإن تجاربي متقاربة لكن مصر تعطيك الكثير من نكهة الوطن الأم وتضيف لك الكثير، مصر متفردة زمانا ومكانا وكأنها بلد خلق لكي يكون محط الراحلين ومن تقطعت بهم بلدانهم ينشدون الأمن.

"اهبطوا مصر ان شاء الله آمنين" في سياق هذا شيء من تاريخ كتبته الأديان بجمل مختلفة وحطته الجداريات والاسفار بكلمات معبرة ووجيزة لكنها تختزل تجربة هذا البلد الذي يستطيع شعبه وجغرافيته هضم الغريب واعادة تدويره وتصنيعه وإضفاء الجديد عليه كل ذلك بسهولة منقطعة النظير.

مصر وحدها يستطيع من يسكنها الانصهار فيها بعد ثلاثة أيام دون عناء ومشقة، بينما هذا الأمر صعب وعسير في أي بلد آخر، وقد يأخذ سنوات طوالا.

عندما خرجت في المرات السابقة إلى السعودية للدراسة وتركيا على قصر المدة فيها للعمل في التسعينيات كان ذلك اختياريا، وكان أمل العودة موجودا في أي وقت، لكن الخروج الأخير من تعز كان اجباريا وبفعل الحرب والاعتقال وفتاوى الموت التي لاحقتني وإغلاق مقر عملي، وأصبح الأمر متعلقا بالبقاء على قيد الحرية والحياة، فكانت تجربة منفى مكتملة الأركان على غير سابقاتها.

 ومن هنا شاهدت تجربة المقهى وكيف يمثل واحدة من أهم الظواهر الرئيسة في حياة المنفي وكيف يسهم في صياغة بعض سماته وسلوكياته الوليدة.

وهذا ما سوف أتناوله في الحلقة القادمة ضمن مفردات وسلوكيات من حياة المنفيين متعلقة بالمقهى كملاذ وكذلك بعض إشراقات متعلقه بالحب والزواج، والنوافذ التي يفتحها المنفيون في عوالمهم الجديدة.

مقالات الكاتب