فلسفة "صمت الأوطان"

نافذة اليمن - الكاتب الدكتور/محمد حميد غلاب الحسامي

 

القراء الكرام...
ليكن معلوما،  وبإختصار شديد وموجز، :
بأن للصمت بصفة عامة، وصمت الأوطان بصفة خاصة، فلسفة لا يستطيع أن يفهما ويستوعبها إلا القلة القليلة من الأفراد والكيانات..إلخ, فالصمت تعبير ولغة عظيمة لا يدركها ويفهما ويستوعبها إلا العظماء...

فعندما يكون هنالك صمتا فإن هذا لا يعنى بأن لغة الكلام قد توقفت، وبأن الصامت قد رضي بما هو فيه..وعليه.., وبأنه قد قبل ذلك وارتضاه واستسلم له وعجز عن القيام بأية ردة فعل حياله,بل إن صمته ذلك قد يعنى بأنه وبعد طول الكلام الذي لم يجد فيه ومنه أية فائدة تعود عليه آثر الصمت لكي يختلي بنفسه ويعيش معها وبها لحظات من التجلي والانسجام معها ومن ثم إعادة النظر في كل ما قاله وصدر عنه ومنه، ومن ثم التقييم لكل ذلك عبر معرفة الخطأ الذي أدى إلى أن كلامه لم يجدي نفعا..,
وعندما تحين اللحظة المناسبة والفرصة المناسبة فإنه سوف يكسر حاجز الصمت بصوت جهوري,وبكلام مفيد ومثمر, وبلغة جهورية واضحة لا لبس فيها ولا تحتمل التأويل والتفسير,،كلامه ولغته هو بلسانه هو لا بلسان الآخرين...

إن بعضا من المراحل في المسيرة الحياتية للأفراد والكيانات عموما وللوطن خصوصا تستدعي الصمت لا الإستمرار في الكلام..

صحيح بأن هناك فرقا كبيرا وكبيرا بين الصمت الإرادي والصمت اللإرادي...

وصحيح أيضا بأن الصمت قد يكون عكس ذلك تماما,حيث يذهب علم النفس التحليلي إلى القول بأن الصمت الإرادي يدل على الخوف من الآخرين و الإحساس بالاغتراب، الشيء الذي قد يؤدي إلى الإصابة بالإحباط و الاكتئاب المرضيين...

لكن الصحيح أيضا بأن هناك فرقا كبيرا وكبيرا بين صمت الأفراد وصمت الأوطان, وبأن ما ينطبق على صمت الأفراد لا ينطبق على صمت الأوطان, فصمت الأفراد يمكن له أن يكون صمتا إراديا ولاإراديا,ويمكن له بأن يكون ظاهرة سلبية تنعكس سلبيا عليهم, أو ظاهرة إيجابية كذلك,حيث أن هناك أيضا عدة دراسات في علم الاجتماع الحديث تثبت أن الصمت لا يعدو أن يكون إلا دربا من دروب الانسحاب من الحياة، و الانزواء المجتمعي و من تم رفض الخضوع للأمر الواقع....

لكن صمت الأوطان لا يمكن له بأن يكون إراديا,فطبيعتها الكلام دوما,سواء في الشدة أو الرخاء,فصمتها غالبا ما يكون لاإراديا,فهي إن صمتت فإن ذلك يدل على أن هناك سببا أو أسبابا ما منعها/منعتها عن الكلام، إما أنظمة استبدادية استعبادية تسلطية وطغيانية، وإما قوة خارجية,فهي وإن صمتت إراديا في بعض الأحيان فإنما يكون صمتها حينئذ إما نتيجة لأن هناك من يتكلم بإسمها ولسانها,وإما أنها تنتظر ذلك منهم وتأمل ذلك,وفي حالة فقدانها كل أولئك..وكل أولئك..فإنها في هذه الحالة تؤثر الصمت لتعيد حساباتها ومن ثم تتكلم عن نفسها بنفسها وبلسانها هي... 

صحيح أنها، وبعد فترة زمنية ليست بالقصيرة من الصمت اللاإرادي أو حتى الإرادي، قد تتلعثم في كلامها,وقد تجد صعوبة في إخراج أحرفها إخراجا صحيحا,وقد تلاقي صعوبة في فهمها,وذلك بعد أن  سكتت طويلا وصمتت طويلا,وبعد أن دخلت عليها لغات غريبة وخارجة عنها,وبعد أن أصاب لسانها الوهن والضعف وقطعت وفتت وشتت,وبعد أن أصيبت حنجرتها وأحبالها الصوتية بالشلل وطلاها الصدأ, لكنها قادرة على تجاوز ذلك..,وإصلاح ذلك.., وتفهيم ذلك..وفهم ذلك..,والتخلص من ذلك..,وإزالة الشوائب من ذلك..,وعلاج ذلك..وإعادة أجزائه ولملمتها,ومداواة ذلك..وصنفرته وإزالة الصدأ الذي علق به,لتعود كما ولما كانت عليه..وأفضل وأجود..لتتكلم مجددا لغة جهورية واضحة ومزلزلة، بكل قراها ومدنها,وبكل حاراتها وأزقتها وشوارعا,وبكل هضابها وتلالها وجبالها وسواحلها ووديانها وصحاريها,وبكل آبارها وترعها وبحيراتها وأنهارها,وبكل بحارها ومحيطاتها...,بكل برها وبحرها وبكل شيء فيها، شجرا وحجرا، إنسانا وأرضا،....
لغة جامعة واحدة وموحدة وموحدة-بكسر الياء-,تجمع ,لا تفتت أو تشتت,توحد وتلملم,لا تقصم وتجزأ, تصالح وتعغو وتغفر وتسامح,لا تثأر وتكره وتنتقم,تبني وتعمر وتشيد,لا تهدم وتخرب..,لغة البناء والعمران والتشييد 
لغة جامعة واحدة وموحدة وموحدة-بكسر الياء-لكل مكوناتها المختلفة دون تمييز,لا لغة طائفية أو فئوية أو مناطقية جهوية أو دينية ومذهبية أو عرقية وإثنية أو صبغية وجندرية, لغة واحدة لكل من ينتمي إليها ويدافع عنها ويحميها ويصونها...
لغتها وصوتها هي، لا لغة وصوت غيرها....

عندئذ وحينئذ وساعتئذ ووقتئذ ولحظتئذ وزمانئذ ومكانئذ فإنها سوف تقول لنفسها ولكل من لم يتكلم نيابة عنها وخذلها بعد أن إنتظرت طويلا لهم جميعا :
لقد حان دوري ووقتي للكلام وبصوت جوهري يزلزلني ويفجر براكيني لتصيبكم حممها بالصمم, وتجعل منكم عاهات مستديمة,الفظكم وابتلعكم جميعا وأرمي بكم إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليكم, تشيعكم لعنات سنيني الساكتة والصامتة,ومن أراد منكم أن يتجنب ذلك ولا يلاقي هذا المصير فما عليه إلا مشاركتي أو السكوت والصمت, علي أغفر له بعضا من ذنوبه التي ارتكبها بحقي...,أما من يحاول منكم منعي من ذلك..,فلا يلومن إلا نفسه, فقد ملكت وأمتلكت قراري..ولا رجعة عنه...
.......
#الخلاصة :
الأوطان..لا تصمت مدى الحياة وواهم من يركن إلى ذلك ويظن ذلك ويأمن ذلك...
صمتها مخيف ومرعب..,وكلامها بعد ذلك مزلزل ومدمر...
حذاري..حذاري..حذاري..
" فتحت الرماد اللهيب,ومن يزرع الشوك يجني الجراح"
معا..وسويا 
بكم..يتجدد الأمل..ويتحقق 
.....
#نحو-حركة-وطنية-جهورية-جديدة
إن غدا لناظره أقرب وأفضل 
دعوها فإنها مأمورة

مقالات الكاتب