سايكس بيكو.. تركي - إيراني!

نافذة اليمن / الكاتب - صالح البيضاني

 

 

 

 

في كل ملف توتر في المنطقة تحضر تركيا وإيران، كمشروعين توسعيين جديدين، يستثمران بالأيديولوجيا والاتباع الطيعين الذين يقدمون انتماءهم الحزبي على مصالح أوطانهم وأمنها واستقرارها.

 

وبقدر ما يبدو منذ الوهلة الأولى كتنافس بين أنقرة وطهران على توسيع نفوذهما، مستغلين حالة الضعف العربي التي عملت التيارات الموالية لهما على تعميقها، إلا أن هذا التنافس يخفي نوعاً من التناغم في تحركات المشروعين، عبر اتفاق غير معلن شبيه بسايكس - بيكو الذي قسم الخارطة العربية لمناطق نفوذ للدول الاستعمارية القديمة.

 

وفي اليمن على سبيل المثال، تحوّل الصراع بين وكلاء المشروعين الإيراني والتركي إلى نوع من أنواع التماهي، والتفاهمات الخفية التي تسعى في حال لم يتم اعتراضها، لتمكين الحوثيين من شمال اليمن، ونقل الصراع بالتالي إلى المناطق الجنوبية المحررة التي باتت هدفاً لأجندة الإخوان، ومن خلفهم أنقرة التي يزداد حضورها المتدثر بعباءة النشاط الإغاثي والإنساني.

 

وليس ببعيد عن المشهد اليمني، يسير المشروع الإيراني في العراق وسوريا جنْباً إلى جنب مع المشروع التركي، ففي حين تهيمن طهران على القرار السياسي في بغداد ودمشق، تترك مساحة للمناورة في شمال البلدين للنفوذ التركي، وتحديداً في مناطق الأكراد.

 

وتبني كل من أنقرة وطهران استراتيجيات التوسع وفقاً لما تريانه اعتبارات تاريخية ومذهبية تجعل من تمددهما في العمق العربي، استعادة لإرث امبراطوريات غابرة، ففي حين تتمدد ايران في العراق وسوريا ولبنان وشمال اليمن، تضع تركيا أقدامها في ليبيا والصومال وشمال سوريا، وعيونها على دول عربية أخرى تعاني من مناخ صراع خلقته الأذرع الأيديولوجية الحالمة بـ«دولة الخلافة»، التي تبين في نهاية المطاف أنها ليست أكثر من اسم حركي لمشروع التوسع العثماني الجديد الذي يقوده رجب طيب أردوغان، باعتباره خليفة الانتهازية السياسية الحديثة في ثوبها الإسلاموي.

 

وبالتأمل مليّاً في خريطة القوى والتحالفات التي تعصف بالمنطقة عموماً، لا يبدو أن تركيا وإيران تلعبان بشكل منفرد، فثمة مشروع ثالث تتشكل ملامحه بشكل أوضح، وهو المشروع العربي الذي تقوده السعودية ومصر، وتشارك فيه بفاعلية دول أخرى مهمة مثل الإمارات.

 

وتشكل هذه الدول الثلاث ــ إن جاز التعبير ــ مثلثاً شبيهاً بمثلث «برمودا»، من حيث قدرته الفائقة حتى الآن، على ابتلاع كثير من مخططات المشاريع التوسعية الأخرى، التي تسعى للاستثمار في مناخ الفوضى الخلاقة.

مقالات الكاتب