بين جبل مران وجبل مراد

بات واضحا وجليا أكثر من أي وقت مضى أن نتائج الأخطاء التي رافقت إدارة معركة اليمن في مواجهة إيران ومشروعها الحوثي لا يمكن عكسها بعد أن وصلت الميليشيات الحوثية إلى مشارف مأرب في رحلة بدأت من جبل مران ووصلت اليوم كما تقول الأخبار إلى جبل مراد الذي يحمل اسم أكثر قبائل اليمن بأسا في مواجهة الحوثي وأكثرها تضحية في سبيل هزيمة المشروع الإيراني.

وبين جبل مران وجبل مراد تاريخ طويل من الأخطاء الكارثية التي وقعت فيها النخب السياسية والمكونات اليمنية التي تقف في معظمها اليوم عاجزة عن إبداء أي موقف أو التقدم بأي مبادرة لإيقاف عجلة الانكسارات المتتالية التي نشاهدها اليوم في جبهات ظلت صامدة لأكثر من سبع سنوات كسد منيع أمام جحافل الحوثيين وما يمثلونه من فكر ثقافي واجتماعي وسياسي دخيل على اليمن.

وما يحدث اليوم كما أشرنا آنفا هو حصاد سبع سنوات من الإخفاقات والخيانات والفساد الذي طالما تحدث وكتب عنه الكثير من اليمنيين، من دون أن يتردد صدى أصواتهم سوى في الفراغ، حيث كان نباح “كلاب الحراسة” التي تم تسمينها لتسييج هذا الفشل وتجميد صورته مرتفعا وحائلا دون تعرية الفاسدين والمنتفعين والمتخاذلين وحتى الخونة الذين وجدوا من يحوّل فشلهم إلى انتصار وكذبهم إلى قصائد.

وفي هذا المشهد المأزوم الذي يعيشه اليمن والمنطقة عموما يبدو إسداء المزيد من النصائح ضربا من العبث، فمن أصم أذنيه عن سماع النصائح عندما كانت مجدية لن يتقبل اليوم أي نصيحة وهو غارق حتى أذنيه في وحل الفشل والهزيمة التي ما كان لها أن تكون لولا أحصنة طروادة التي ملأت السهل والجبل وعبثت بمشروع تحرير اليمن من أذيال إيران الذين حصلوا على أكثر مما يتمنون ويستحقون، نتيجة غياب الإرادة والإدارة والحافز والرؤية لدى من تصدروا الشرعية!

وعندما نتحدث عن الفشل ونهيل التراب على رؤوس المتسببين به نحن لا نقصد أبدا من تعفرت وجوههم بغبار الجبهات وتقطعت أطرافهم بفعل القذائف والألغام، فخلف سبع سنوات من الصمود في وجه الميليشيات الحوثية هناك الآلاف من المقاتلين ورجال القبائل الذي أعاقوا عجلة المشروع الإيراني في اليمن وقدموا تضحيات تفوق الوصف وملأت شواهد قبورهم الأفق.

والحقيقة الماثلة للعيان هي أن اليمنيين أو جلهم قدموا تضحيات جسيمة كانت كفيلة ليس فقط بهزيمة المشروع الإيراني في اليمن، ولكن في المنطقة كلها إذا وجدوا من يقدّر تضحياتهم ويقود قطار التحرير، ويختطف اللحظة التاريخية ويقطف ثمار عشرات الثورات والانتفاضات التي اشتعلت في مختلف مناطق اليمن لمواجهة الحوثيين لكن المطاف انتهى بها وحيدة مخذولة وبلا رديف سياسي أو جيش حقيقي!

ومع ثقتي المطلقة المبنية على قراءة الماضي واستشراف المستقبل في أن التحولات التي نشهدها اليوم على الصعيدين العسكري والسياسي على ما فيها من سوء إلا أنها قد تكون بداية مرحلة جديدة لن تنتهي فيها كوابيس الميليشيات المدعومة من إيران بقدر ما تبدأ، إلا أن الوقت لم يفت تماما على استدراك بعض ما فات وتصحيح بعض الأخطاء، على الرغم من حالة النشوة الظاهرة التي تبديها تلك الجماعة المزهوة بانتصارات ليست سوى بداية لفصل جديد من الصراع الذي لم ينته في اليمن منذ ألف عام بين مشروع يسعى لاستعباد اليمنيين وقهرهم وبين شعب يمر بمراحل ضعف ومرض طويلة ولكنه “يأتي من آخر القتل أعصف” كما هو حال مصطفى في قصيدة شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني.

وإيقاف عجلة التنمر والغرور الحوثي اليوم ليس أمرا مستحيلا باعتقادي ولكنه بحاجة إلى قرارات شجاعة وجريئة ومراجعة شاملة وإعادة النظر في قيادات الفشل السياسي والعسكري التي لم تعرف سوى الهزيمة والإخفاق طوال سبع سنوات، فمن تعيش أسرته في لندن وبرلين أو إسطنبول وتقبع أمواله في خزائن بنوك سويسرا وبنما وجزر فيرجن البريطانية، ومن يشتري بأموال الفقراء جنسيات دومينيكا وسانت كيتس ونيفيس لن يستطيع هزيمة الحوثيين!

- جريدة العرب الدولية

مقالات الكاتب