خفايا الروس والأميركان في المسألة اليمنية

لم تكن روسيا متحمسة لصدور بيان من مجلس الأمن يندد بالهجمات الإيرانية عن طريق الحوثيين على مواقع استراتيجية في دولة الإمارات. وهو ما تجاوزته حين وقّعت على ذلك البيان.

ذلك موقف يكشف عن حقيقة أن روسيا لا ترغب في أن يعم الأمن والسلام في المنطقة الغارقة في الحروب الخفية والعلنية. ولأن روسيا طرف مستفيد من تلك الحروب فإنها تسعى بكل ما تملك من قوة إلى مد يد العون إلى إيران التي تدرك أن الروس لا يسعون إلى إبعادها من سوريا من أجل تمكين النظام من بسط سلطته على المناطق التي سقطت بأيدي معارضيه، بل من أجل أن تكون سيطرتها مطلقة على سوريا.

لا تبحث روسيا عن سلام في سوريا إلا من أن تعزّز بقاء قواتها هناك إلى أمد غير معلوم. وبذلك لن يكون السلام للسوريين بقدر ما هو ثمرة يضعها الجيش الروسي على المائدة ليذكّر من خلالها نظام الرئيس بشار الأسد بأنه مدين إلى روسيا ببقائه.

الروس الذين استفادوا من الخدمات الإيرانية يسعون لردّ تلك الخدمات لكن خارج سوريا، في مناطق لم تمتد إليها القبضة الروسية بسبب أن الولايات المتحدة لا تسمح بحدوث ذلك.

الولايات المتحدة وبريطانيا معنيتان بالملف اليمني بشكل مباشر. أما أن يكتفيا ببيان التنديد الصادر من مجلس الأمن فذلك معناه أنهما تقتربان من الموقف الروسي وتقاسمانه الرغبة في عدم ردع إيران من خلال الحد من النشاط العدواني الذي يمارسه ذيولها في المنطقة. وكما أرى فإن بيانا باهتا من ذلك النوع الذي صدر عن مجلس الأمن يمكن أن يشجع ذيول إيران الأخرى على القيام بنشاطات عدوانية مماثلة من غير أن تتعرض للعقاب الدولي.

لقد رضي الإيرانيون بألاّ يقتسموا سوريا مع روسيا مقابل أن تقف سوريا معهم دائما. ذلك مفهوم. ما لا يُفهم فعلا أن يكون رد فعل الولايات المتحدة وبريطانيا إزاء ما فعله الحوثيون وهم يجتازون خطوطا حمراء

ولو كانت روسيا ترى أيّ أهمية لذلك البيان لما وافقت على صدوره، ولكنها تعرف أنه مجرد نفخة هواء في فراغ لا يقيم فيه أحد. فالموقف الروسي الداعم لإيران في مختلف مشكلاتها مع الغرب لا ينظر بعين واسعة إلى مصير المنطقة في الوقت الذي تحاول روسيا فيه إقامة علاقات اقتصادية واسعة وقوية مع عدد من دول المنطقة التي تعاني من تداعيات السياسات الإيرانية العدوانية التوسعية.

ما يؤسف له أن روسيا الجاهزة للحرب مع الغرب بسبب متعلقات الاتحاد السوفييتي السابق كما في أزمة أوكرانيا لا تختلف معه كثيرا في ما يتعلق بالشرق الأوسط. وباستثناء إسرائيل فإن الاتحاد الروسي لا يتعامل بشكل مسؤول مع دول المنطقة. وهو إذ يستثني إسرائيل فإنه يعاملها كما لو أنها لا تقع ضمن الفضاء الأميركي. أما الدول الأخرى فإنه يسعى لإرباكها عن طريق إيران.

أفهم أن ورثة الشيوعية يسعون لإزعاج الغرب عن طريق إيران. تلك مسرحية روسية قديمة يُعاد عرضها. ولكن روسيا وهي تحاول استعادة مكانتها باعتبارها دولة عظمى وقطبا دوليا يقف بعناد في مواجهة القطب الآخر أو الأقطاب الأخرى ينبغي عليها ألاّ تفقد توازنها فتشجع العدوان المسلح على دول ذات سيادة من قبل عصابات كانت إلى يوم قريب تُصنف باعتبارها منظمات إرهابية.

روسيا تفعل ما تفعله الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان تعرفان جيدا ما الذي حدث في اليمن، ولكنهما تبحثان عن حل للمشكلة عن طريق المفاوضات. وهو ما يعني أن التفاوض مع منظمة إرهابية تابعة للنظام الإيراني أمر جائز. وذلك ما يضعنا أمام مفارقة عجيبة.

فالولايات المتحدة وبريطانيا هما أكثر الدول التي تملك مصالح في المنطقة، ولكن موقفهما من نشاط إيران العدواني من خلال ذيولها يشبه إلى حد كبير موقف روسيا التي تتمنى أن تكون لها مصالح في المنطقة من غير أن تفقد إيران باعتبارها آلة جارحة موجهة إلى الغرب.

لقد توقع الكثيرون أن تتخذ الولايات المتحدة إجراءات رادعة حين ضُربت الإمارات وهي دولة ليست طرفا في الصراع اليمني بعد أن تحرر الجنوب من الاحتلال الحوثي. ولكنها اكتفت كما روسيا بتوقيع بيان يندد بالقصف الإيراني عن طريق الحوثيين. أيمكن اعتبار ذلك الموقف جزءا من مفاوضات فيينا التي تتعلق بالنووي الإيراني؟ فإذا ما كان الأمر كذلك فعلينا أن نتوقع الأسوأ.

لقد رضي الإيرانيون بألاّ يقتسموا سوريا مع روسيا مقابل أن تقف سوريا معهم دائما. ذلك مفهوم. ما لا يُفهم فعلا أن يكون رد فعل الولايات المتحدة وبريطانيا إزاء ما فعله الحوثيون وهم يجتازون خطوطا حمراء.

- جريدة العرب

مقالات الكاتب