تفخيخ العقول

للحروب صور كثيرة اقساها انتاج أجيال مشوهة بلا ملامح وبلا مستقبل ، ومصيرها الشتات والضياع خاصة في بلدان تعيش في مستنقع من الصراعات الدامية والتفكك والتشظي، ويظهر مع كل ذلك أمراء يمثلون واجهة ذلك الخطر الذي يهدد مستقبل تلك الأجيال.

اليمن على سبيل النموذج يعيش حالة غير مألوفة بالنسبة لابنائه الذين يعيشون وضعا كارثيا على كافة المستويات دون استثناء، هذا الوضع يصعب وصفه تماما بفعل الحرب التي تدخل عامها الثامن ومعها أمورا كثيرة بحاجة لعقود حتى يتمكن الجميع من تجاوز تبعاتها.

التعليم في اليمن يواجه صعوبات ومخاطر كثيرة ليس في زمن الحرب فحسب، بل منذ عقود، إلا أن الحرب خلقت واقعا تعليما هشا ضحاياه من الأطفال والشباب، فبدلا من أن يكون التعليم هو النقيض للجهل المتفشي على طول البلاد وعرضها، أصبح وسيلة هدم وضياع لعشرات الآلاف ، وهذا ما يعيشه التعليم خلال سنوات الحرب.

الحوثيون ومليشياتهم وبلا شك هم الأدوات الأكثر فتكا وخطرا على التعليم في اليمن،لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وما يمكن قوله أمام  هذا المشهد الخطير هو إن انشاء مراكز صيفية قائمة على أفكار طائفية هو الخطر الأكبر على مستقبل الأجيال الحالية والقادمة، كونها تتغذى على فكر العنف والتطرف والقتال وتفخيخ العقول وجعلها قابلة لنشر الموت والدمار والخراب.

يسعى الحوثيون وبدعم من إيران على هذا النهج منذ بدء الحرب، نهجا يخلق أجيال قاتمة ومشوهة ويصنع منها قنابل موقوته لضرب المجتمع اليمني ونسيجه الاجتماعي وعاداته وتقاليده وهويته اليمنية التي لا تقبل أفكار دخيله عليه، كما ترسخ في عقول اليمنيين وذاكرتهم الجمعية.

المراكز الصيفية التي يدشهنا الحوثيون كل عام هي بمثابة عملية تكاثر لتوسيع هذا المشروع التدميري المنظم والذي يهدف لزعزعة  استقرار المجتمع اليمني بكل شرائحه، ويحرصون بكل تركيز وتخطيط على فعل ذلك ولو كلفهم الكثير من الجهد والوقت والمال، وكل ذلك يأتي على حساب الخطابات التي تحافظ على هوية الشعب اليمني وذاته التاريخية.

تلعب هذه المليشيات على وتر التعليم الذي يعد العصب الرئيس لبناء البلد، وتتغلغل في كل مفاصل العملية التعليمية وتزرع الخطابات الدينية والطائفية الداعية للعنف والتطرف والإرهاب والقتل،وتجنيد الأطفال والدفع بهم إلى محارق الموت وتحويلهم إلى مخزون بشري لنشر فكر وثقافة هذه المليشيات المسلحة ذات الطابع الإرهابي.

ما يحدث في المراكز الصيفية التي يديرها الحوثيون هو عملية تجريف واسعة للتعليم واستبداله بفكر الفوضى والصراعات التي تغذيها إيران في المنطقة العربية وخاصة اليمن، وهذا يجعل الخطر يتعاظم يوما بعد آخر، ويضع أجيال كاملة على حافة الهاوية والسقوط المريع، وهو ما يخشاه كل اليمنيين الذين يدركون خطر هذا الفكر الدخيل عليهم.

يدرك الحوثيون أهمية التعليم كملاذ آمن لنشر مشروعهم العدائي لليمنيين وبنائهم الحضاري والتاريخي وهويتهم، هذه الهوية معرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى، دورات وأنشطة وزرع أفكار كفيلة بهدم كل ما من شأنه بقاء المجتمع اليمني متماسكا أمام هذه الجائحة الحوثية المتطرفة، وحين يختفي ما يصارع من أجله اليمنيين فذلك ينبئ بضرب السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي اليمني واقتلاعه من جذوره.

هذا الحشد من الأطفال وفئات عمرية متفاوتة إلى تلك المراكز يوّلد لدى الجميع الشعور بالخوف على مستقبل الأطفال في اليمن، وليس من وراء ذلك سوى تأصيل الموت وتحويله إلى ثقافة معتادة بين كافة أطياف المجتمع، هذا الحشد يزيد وتزيد معه استغلال معاناة الناس وأوضاعهم المعيشية التي تجبرهم للانقياد لأوامر المليشيات الحوثية بحثا عن حالة من الاستقرار في ظل الأوضاع المتردية.

الرهان كبير على هذه المراكز والعمل فيها يجري على قدم وساق، وكأن البلد صار بحكم الخاضع لهذه المليشيات الغارقة في مستنقع القتل والإرهاب، فطموحاتها كبيرة واستراتيجيتها أكبر بكثير، ومن المؤسف أننا جميعا نترك الساحة لها للاستمرار في تصدير ثقافة الصراع الطائفي والانقسامات المجتمعية التي تغذيها تحت مسميات كثيرة وبذرائع مختلفة، وهذا خطر يتهددنا جميعا دون استثناء.

ما يزيد الوضع خطورة في هذه المراكز التي تُدشن سنويا ذلك التراخي الكبير والتقاعس من قبل الحكومة الشرعية التي يعترف بها العالم كجهة تمثل الشعب اليمني، وعلى عاتقها مسؤوليات كبيرة حيال كل ما يحدث من عمليات هدم لا حدود لها بين أوساط الأطفال والشباب الذين تقتادهم المليشيات الحوثية لتجريعهم فكرها الفوضوي المنظم.

ليس هناك إجراءات أو تحركات ملموسة من قبل مسؤولي الحكومة الشرعية منذ بدء تدشين هذه المراكز مع أول عام من الحرب، ثمة تصريحات تطلق هنا وهناك ولم يتبعها أي فعل حقيقي على الأرض لمواجهة تلك الأفكار والخطابات المتطرفة.

الحرب وانسداد أفق الحل السياسي والعسكري هو العائق الأكبر في فكفكة الملفات والقضايا المعقدة ومن بينها التعليم المتشظي والمتفكك ، وهذه مؤشرات تدل على أن كبح هذا المشروع الحوثي يصعب في هذه المرحلة، ولكن ثمة طرق ووسائل كثيرة يمكن من خلالها كشف خطر ما يقوم بها الحوثيون من خلال المراكز الصيفية في مناطق سيطرتهم، والسكوت عن ذلك يساعد في تمدد هذا المشروع الخطير ، وهذا لا يعفي الجهات الرسمية وحتى المجتمع الدولي من مسؤلياتهما حيال ما يجري.

مستقبل أطفال اليمن في خطر حقيقي، ولن يزول هذا الخطر مالم يكن هناك رادع وخطابات تكافح مشروع التعليم في المراكز الصيفية الحوثية المبني على الفكر المليشاوي الطائفي الذي يخدم هذه المليشيات ويسبب أضرار كارثية على عقول الأطفال والشباب خاصة والمجتمع اليمني عامة.

مقالات الكاتب