من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | الأحد 21 يوليو 2019 11:58 مساءً
رأي
الاثنين 07 يناير 2019 07:05 مساءً

ضحايا العصبية الحزبية

 

إن المجتمعات المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة....والتي تسود فيها ثقافة العصبيات الضيقة والمقيتة, وعيا وجوهرا, وتتحكم فيها, سلطة ومجتمعا وأفرادا ومكونات مختلفة , مهما بدأ السلوك الظاهري المغاير لذلك من قبل بعض رموز تلك العصبيات...,تماشيا مع متطلبات المرحلة التي تفرضها عليهم جميعا...,إلا أنه حينما يشعر أولئك..بالخطر الحقيقي الذي يهدد عصبيتهم تلك يصبح السلوك وقتئذ واضحا وتسقط كل تلك الأقنعة المزيفة التي ارتدوها..

تلك الثقافة العصبية الضيقة والمقيتة القائمة على أساس التمييز والأفضلية والشعور بالاصطفاء على الآخر وتكوين صورة نمطية سلبية عنه بما يترتب على ذلك من كوارث حقيقية تصيب المجتمع والسلطة معا..
في ظل تلك الثقافة العصبية الضيقة والمقيتة توجد فئات اجتماعية كبيرة تكون ضحية لتلك الثقافة...,سواء تلك الفئات الاجتماعية التي تشعر بالتهميش من قبل تلك العصبيات المتحكمة ولا تنتمي إليها أو الغالبية العظمى من أفراد تلك العصبيات...والذين لا يملكون منها إلا الإسم فقط بالانتماء لكنهم مهمشون من قبل ساداتها ومجبرين على أن يكونوا وقودا لها في صراعاتهم مع الآخر المغاير..
أولئك الذين تعرضت لهم في منشور سابق بعنوان,, عمق عصبية من لا عصبية له,, وقصدت بهم الذين وجدوا في الأحزاب العقائدية والايدلوحية ,قومية كانت أم أممية أم إسلامية, ضالتهم في الخروج مما هم فيه وعليه من تهميش وإطارهم الحقيقي المدافع عنهم، والذي من خلاله يستطيعون التعبير عن ذواتهم وذاتيتهم بل وإيجادها أولا ,لذلك انضموا إليها وتفاعلوا معها وأمنوا بايدلوجيتها,إيمانا حقيقيا لا صوريا انتهازيا إلا القليل منهم, وضحوا بكل ما يملكون في سبيل ذلك الإيمان ,معنويا وماديا وحياتيا, حالمين بغد أفضل لهم وللأجيال القادمة من بعدهم وآملين بتحقيق ذلك...
ومع مرور الزمن وبفعل عوامل عديدة ومتعددة ومتنوعة, ذاتية وغير ذاتية, سلطوية ومجتمعية, لا يتسع المجال هنا لذكرها تحولت تلك الأحزاب إلى عصبية جديدة مضافة إلى تلك العصبيات الضيقة والمقيتة ,ثقافة ووعيا وسلوكا, تتحكم فيها ممثلة برموزها نفس الثقافة العصبية الضيقة والمقيتة التي تتحكم بغيرها من العصبيات الأخرى.....وأصبح المنتمون إليها وسيلة وسلما تستخدمهم في سبيل الوصول إلى أهدافها وغاياتها الخاصة الضيقة والمقيتة ووقودا تحرقهم في سبيل ذلك متى ما استدعت الضرورة لذلك.., غير آبهة بهم وبإحلامهم وتضحياتهم...التي قدموها في سبيل تحقيق واقع ومجتمع الحلم الخالي من كل أشكال واصناف وأنواع وصور العصبيات الضيقة والمقيتة التي ثاروا وضحوا من أجل الخلاص منها جميعا, وأصبح لها مضافة إلى العصبيات الأخرى ضحايا عديدين, ومن ضمنهم أولئك المنتمون إليها...

ووفقا لذلك كله, طبعا من وجهة نظري الشخصية المتواضعة والقائمة على دراسة الواقع الحزبي الذي نعيشه وما آل إليه المنتمون إليها, أصبح أولئك الحالمون ضحايا لأربع جهات :
الأولى : السلطة العصبية الضيقة والمقيتة والتي تعاملت معهم باعتبارهم يمثلون خطرا جسيما وحقيقيا على وجودها بما يتطلبه ذلك من التعامل معهم..

الثانية : العصبيات الضيقة والمقيتة الأخرى باعتبارهم كذلك خطرا جسيما وحقيقيا على وجودها بما يتطلبه ذلك من التعامل معهم.....
الثالثة : الثقافة الاجتماعية القائمة على أساس النظرة السلبية للحزبية وفي المقام الأول الثقافة الدينية....بما تتطلبه تلك الثقافة...من التعامل والنظر إليهم وفقا لها..

رابعا : رموز العصبيات الحزبية الذين ينتمون إليها, وهي الكارثة الحقيقية لهم, وذلك لأن تلك الرموز بما أصبحت تملكه من إمتيازات خاصة بها أصبحت تنظر إليهم باعتبارهم كذلك خطرا جسيما وحقيقيا عليها بما يتطلبه ذلك من التعامل معهم ووفقا له......

وعليه:
ونتيجة لذلك فإن من تبقى من أولئك الحالمون على قيد الحياة وجدوا أنفسهم أمام عدة اختيارات, بغض النظر عن ايجابيتها أو سلبيتها, تحدد على أساسها مصيرهم...
لعل أبرزها هي :

الاختيار الأول :
الإرتماء في أحضان السلطة العصبية...واحضان العصبيات الأخرى الموجودة في المجتمع بعد أن كفروووووا بكل المباديء والايدلوجيات التي آمنوا بها سابقا وذلك بغرض الحصول على مكاسب شخصية منها ,بل أنهم أصبحوا يلعنون اليوم الذي آمنوا به بتلك الايدلوجيات ويمقتونه ويتحسرون ندما على ما فاتهم من العمر, عفوا على ما فاتتهم من المصالح....

الاختيار الثاني :
البقاء في إطار العصبية الحزبية...البعض منهم مشاركا في الامتيازات..والغالبية مازالت تؤمن بتلك الايدلوجيات وتمنى النفس بأن ما يحدث ماهو إلا غيمة وقتية سوف تزول ,دون أن تقوم بأي عمل من شأنه إزالة تلك الغمة....وهي الأكثر بؤسا وفقرا وتعاسة...

الاختيار الثالث :
البعض منهم مازال منتميا لتلك العصبية الحزبية....أسميا فقط ,متواريا عن أي عمل...لكنه مازال مؤمنا بتلك الايدلوجيات...

الاختيار الرابع:
البعض منهم ,وهم القلة القليلة, آثرت الاعتزال والانكفاء على الذات والتقوقع عليها وحولها,تاركة الأمل..لمعجزة تأتي,عندئذ ستكتشف بأنه لا معجزة أتت ولا فعل صدر منها في سبيل ذلك.....

كل واحدة من تلك الاختيارات لها أسبابها ودوافعها, ذاتية كانت أم غير ذاتية, لا يتسع المجال هنا للإدلاء بوجهة نظري الشخصية المتواضعة حول تلك الأسباب والدوافع ولماذا فضل البعض خيارا من الخيارات المذكورة على غيرها من الاختيارات الأخرى....


#الخلاصة :
إن ذلك كله قد خلق وأوجد فئة ليست بالقليلة من الانتهازيين الحزبيين الذين جيروا كل المقدرات الحزبية, معنوية كانت أم مادية وبشرية أو كل ذلك, في سبيل مصالحهم الشخصية الضيقة والمقيتة, والتي لا تمس لجوهر الحزبية الحقيقية بأية صلة...وفي نفس الوقت قد أوجد وافرز فئة كثيرة من المنتمين اليها تعيش جراء ذلك في حالة يرثى لها من البؤس والفاقة والشعور بالخذلان...وفقدان الأمل...والأهم من ذلك كله هو ما أفرزته تلك الانتهازية وما آلت إليه تلك الحزبية إلى عصبية حزبية ضيقة ومقيتة تضاف إلى غيرها من العصبيات الأخرى...من تعميق وتجذير الصورة السلبية ,الموجودة أصلا, في الثقافة الاجتماعية والوعي الجمعي الاجتماعي للمجتمع وكفرانه والاشمئزاز والاحتقار والنفور والبعد عن كل ما يمت للحزبية بصلة...وهذا بدوره يؤدي إلى أن يصبح المجتمع أرضا خصبة للاستبداد والاستعباد وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات ومن ضمنها حرية التعددية الحزبية والسياسية فيه....ولا يمكن الخروج من كل ذلك إلا بإعادة الاعتبار للحزبية الحقيقية وذلك بتغليب المصلحة الوطنية العليا للبلد, أرضا وإنسانا, من قبل تلك الأحزاب ممثلة برموزها أو برموز جديدة ونبذ كل أشكال وأنواع واصناف وصور العصبيات الضيقة والمقيتة وفي مقدمتها العصبية الحزبية...واعتبار البلد, أرضا وإنسانا, هو حزبها جميعا....وهويته هي هويتها الحقيقية جميعا...أعضاء فيه وشركاء في تقرير مصيرة وفاعلين فيه جميعا..والعمل من قبلها جميعا على إعادة بناء الدولة التقليدية المنهارة,,دولة العصبيات,, على أسس مدنية حديثة وصولا لدولة الحلم,, الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية..
بدون ذلك سنظل جميعا ضحايا لتلك العصبيات...ولن ينجو منها أحد, مهما توهم بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه منها, فلا عاصم لنا جميعا من تلك العصبيات...إلا التمسك ب,,دولة الحلم,, والعمل على تحويلها إلى واقع معاش نعيش فيها ونستظل بظلالها.