المجد للإنسان وليس للفساد والجشع

نافذة اليمن - العرب

يضعنا العرض المسرحي السوري “إعدام” في مواجهة حاضر مأزوم تتشابك فيه المواقف الأخلاقية بين العدل وسلطات الظلم في المجتمع. فيقدّم من خلال ما يقارب الساعة من الزمن حكاية تتقاطع فيها مصالح رؤوس السلطة الدينية المشوّهة والحكم الفاسد ورغبات جامحة لشخوص مؤثرين. لنصل إلى مصائر مفزعة وحياة تملؤها الفوضى والخراب.

العرض يقدّم عوالم عميقة تتعلّق بجوهر النفس البشرية وما يمكن أن يعترضها من هواجس ونزعات وأهواء، وما يمكن أن تقوم به من أفعال لا أخلاقية كي تبرّر وصولها لأهداف ومطامح لا تتّسق مع الأعراف والقوانين.

العرض المسرحي الذي بدأ عرضه في السادس والعشرين من سبتمبر الجاري على مسرح الحمراء بدمشق، مقتبس عن مسرحية عالمية كتبها منذ سبعينات القرن الماضي الكاتب والطبيب الروسي غريغوري غورين الذي اشتهر بتقديم أفكاره بأسلوب ساخر يحمل روح التهكم على الواقع. وقد راجت له الكثير من الإبداعات في مجالات المسرح والسينما منها مسرحية “البيت الذي بناه سويفت”.

على أن مسرحيته “انسوا هيروسترات” التي كتبها في العام 1970 كانت الأوسع انتشارا، فقدّمت على عشرات المسارح في أوروبا والعالم. وهي التي اعتمد عليها الفنان المسرحي السوري زيناتي قدسية لكي يقدّم العرض المسرحي “إعدام”. وهو العرض الذي سبق وأن قدّم في سوريا في بداية عام 2014، وأخرجه حينذاك مضر رمضان ومثله طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية على مسرح القباني بدمشق.

تتنازع روح بطل المسرحية هيروسترات الذي يعيش في بلاد الإغريق عام 365 قبل الميلاد، هواجس غريبة ومتطرفة في عشوائيتها. هو شخص ضعيف بسيط لا يعدو كونه بائعا متجوّلا يبيع الخضار والسمك في السوق، على عربة يجرها بغل، عمله في السوق أثار حفيظة التجار فطروده من السوق ثم مات البغل وسرق المرابون العربة، فقرّر الانتقام من الضعف في الحياة وأراد تسجيل اسمه في التاريخ حتى ولو كان من خلال فعل إجرامي قذر، فأحرق معبد المدينة الأكبر، وصعد إلى مبنى شاهق ونادى في المدينة أنه من فعل ذلك فألقي عليه القبض وأودع السجن ليُحاكم ويُعدم.

لكن فساده ورغبته بالمغامرة حتى نهايتها يجعلانه يتحدّى وضعه المأزوم، فيبيع مذكراته لوالد زوجته وهو مرابي سيء السمعة، ويحصل على مال يستطيع به أن يشتري ذمم البعض بدءا من سجانه الذي يصير أجيرا عنده. مراهنا على فساد أخلاق البعض في محيطه، وعلى التوازي يتقاطع مصيره مع رغبة زوجة الحاكم الأميرة كريستينا الفضولية والطامحة في بناء مجد ما ولو على أنقاض حياة شخص أو معبد أو حتى مدينة.

ترغب كريستينا في التعرّف على حقيقة هذا المجرم الغريب، مُعتقدة أن دافعه إلى ارتكابها حبه لامرأة ما، وهي مصرّة على التعرّف على هذه المرأة. تزوره في زنزانته، وهناك يعقدان صفقة، بحيث يتفقان على أن يقول أمام القاضي والجموع في يوم الغد أثناء المحاكمة بأنه فعل ذلك من أجل حبه للأميرة، ويطلب منها مقابلا لذلك جسدها. ويكتشف السجان الطماع ما حدث بالصدفة، وهو السر الذي يكلفه الكثير لاحقا.

تسير الأمور في تصاعد درامي مشوّق، يبلغ ذروته حين يعرف القاضي أن الأميرة قد زارت المجرم ومن ثم أن الأمير الذي أصدر أمرا يطلب فيه من الشعب نسيان هيروسترات، يشتري خلسة مذكراته التي دوّن فيها كيف حرق المعبد من المرابي الذي يبيعها وبأثمان كبيرة.

يواجه القاضي الأميرة بحقيقتها ويأمر بسجنها، ثم يواجه الأمير بأنه يخالف القانون ويسمح بتداول مذكرات الجاني رغم صدور أمر منه بمعاقبة من ينشرها. ونصل إلى الذروة الأكبر، وهي تلاقي مصالح الجميع في ضرورة إخفاء الموضوع عن العامة، فالأمير وزوجته والكهنة والمرابي يهمهم أن ينسى موضوع حارق المعبد، إلاّ القاضي النزيه الذي يصرّ على محاكمته ويقرّر أن يعدم.

وخشية أن يهرب هيروسترات من السجن أو يختفي عن الأنظار، يستقيل القاضي من عمله ويصبح سجانا له في زنزانته. وخلال حوار عاصف بينهما، يتصارعان، فيقتل القاضي حارق المعبد.

هي دوامة الصراع بين الحق والباطل، ومقدار استطاعة الخطأ الأخلاقي أن يكون موجودا ومسيطرا على حياة الناس في مجتمعات علا شأن الساقطين أخلاقيا فيها. فهم أولي السلطة، وبها يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون.

بدأ العرض من ذروة الأحداث الدرامية، في السجن ما بعد إحراق المعبد، وبذلك تحقّق شدّ الجمهور من اللحظات الأولى للعرض، ثم تم التعرّف على بقية تفاصيل المحاور الدرامية بشكل حمل التشويق والإيضاح، حتى تلاقت المصائر الدرامية مجددا في أكثر من منعطف.

فمرة حين قرّر الأمير بعد ضغط كبير الكهنة والأميرة تأجيل المحاكمة وأخرى عندما اكتشف الأمير أن زوجته قد زارت المجرم في سجنه فعلا. وثالثة عندما تصارع فيها القاضي وهو رمز العدالة مع الجاني الذي هو رمز الباطل.

وقدّم العرض تشكيلات بصرية خدمت فكرة العرض، فكانت الإضاءة متقاطعة وتوحي بظلال السجون في المشاهد التي كانت فيه. قدّمت المسرحية بالعربية الفصحى إلاّ في بعض المقاطع التي كانت بالعامية وفق ملمح كوميدي طريف جاء في غالبيته على لسان شخصية السجان التي جسّدها جمال العلي.

كما قدّم محمود خليلي بجهد رصين وواثق دور القاضي، وأتقن قصي قدسية دور هيروسترات متأرجحا في درجات نفسية عديدة بين الهدوء والصخب، وكانت حركته على خشبة المسرح عاصفة بالتحدّي الذي هو موضوع الشخصية. ويسجل العرض ظهور الممثلة صفاء رقماني في ثالث تجاربها المسرحية بعد “حفلة على الخازوق” مع زيناتي قدسية و”بيت الشغف” منذ فترة بسيطة مع المخرج هشام كفارنة ثم “إعدام” العرض الحالي، كما سجل العرض عودة الممثل زهير عبدالكريم للمسرح بعد غياب ما يقارب العشر سنوات.

و”إعدام” مسرحية من إنتاج وزارة الثقافة السورية من إعداد وإخراج زيناتي قدسية وتمثيل قصي قدسية وجمال العلي وخوشناف ظاظا ومحمد خليلي وسامر الجندي وزهير عبدالكريم وصفاء رقماني وجمال نصار. وقدّم فيها المخرج زيناتي قدسية دور الراوي.

ويعدّ زيناتي قدسية، معد ومخرج عرض “إعدام” أحد أهم الفنانين العرب الذين تناولوا فن المونودراما المسرحية بشغف. وكانت له تجارب متفرّدة في هذا الاتجاه سواء في شراكته الفنية مع الكاتب ممدوح عدوان التي أوجدت عديدا من المسرحيات التي تشكل علامات فارقة في تاريخ المسرح العربي، أو من خلال تجارب مسرحية فردية لاحقة، على غرار ثلاثيته المونودرامية: “غوايات البهاء” و”كأس سقراط الأخيرة” و”أبوشنار”.

وهو يقدّم في هذا العرض خطوة متقدّمة في المسرح السوري الذي يحاكي هموم الناس وأوجاعهم، بعد عرضه الأحدث “حفلة على الخازوق” الذي قدّمه منذ أعوام في استعادة لعرض قديم ملفت للكاتب محفوظ عبدالرحمن، وقد تصدّى فيه للثيمة ذاتها، أي طغيان الظلم والتسلط على الناس من خلال السلطات المشوهة للدين والحكم والمال الفاسد.

وأهدى المخرج زيناتي قدسية عرضه الأخير إلى روح الباحث السوري في الآثار خالد الأسعد، أحد أهم علماء الآثار في العالم، خاصة في مدينته تدمر التي كان مديرا لمتحفها مدة تزيد عن الثلاثين عاما، وقد أعدمه تنظيم داعش أثناء احتلاله لمدينة تدمر.

يحذر موقع (نافذة اليمن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بالموقع دون الإشارة إلى المصدر .