آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-03:22ص

حينما ضعت في الغابة وعلاج إضطراب ما بعد الصدمة

الأربعاء - 02 أبريل 2025 - الساعة 01:43 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


لا اتذكر أنني شعرت بالخوف في حياتي كما شعرت ليلتها. كان ذلك في منتصف اغسطس الماضي، نهاية الصيف وبداية الخريف. نصحني صديقي السوري بسلك طريق قريب من المسبح إلى الهوتيل عبر الغابة. طبعا طريقي اليومية المعتادة لا تتجاوز عشرين دقيقة مسافة كيلو ونصف متر فقط. خرجت من المسبح الساعة الثامنة عصرا قبل مغيب الشمس. مشيت نصف كيلومتر تقريبا وبدأ يهطل المطر.كان الجو رائعا وشاهدت اناس كثر يمشون راجلون وعلى دراجاتهم الهوائية فمضيت في ذات الاتجاه الذين يسيرون نحوه . طريق معبد للسيارات والعجلات والنشأة في وسط الغابة على أجود ما يكون. مشيت لمدة ساعة قبل إن تختفي الشمس تماما ويسدل الليل ظلامه. حاولت خلالها البحث عن الطريق الأقرب إلى الهوتيل بحسب نصيحة صديقي بشير وكلما مشيت في طريق فرعي كلما توغلت في الغابة أكثر . كان الظلام دامسا مثل حور العين👀 ربما كثافة أشجار الغابة تضاعف سواد الليل. بدأت اشعر بالقلق فأخذ ينداح مني العرق من تعب السير بعد سباحة مضنية لمدة ثلاثة ساعة فضلا عن الاحساس بالضياع في غابة مجهولة. المطر لازال منهمرا ولم أشعر بالبرد أبدا .تجربة مثيرة ومرعبة بالنسبة إذ لأول مرة أتوه في غابة. سبق لي وأن جربت التوهان في المدن الكبيرة ، في بغداد أو القاهرة ، أو الرياض أو كازبلانكا أو الجزائر وربما خبرت ضياع معالم الطريق في الصحراء أو الجبال حينما هربت من التجنيد الإجباري أو حينما ذهبت أبحث عن الأراضي في صحراء الرجاع أو الرعارع! كان ذلك زمان وفي منتصف النهار . أما الضياع في غابة موحشة في ظلام الليل فهذا لم يكن بحسباني أبني. الخوف يفقد المرء القدرة على التركيز والتصرف السوي في المواقف الصعبة.بعد ساعة ونصف من السير في ظلام الغابة الدامس والمطر ينهمر. احسست بهلع شديد وانا اتذكر تحذير السيدة سيلكا في أول يوم لوصولنا الهوتيل ؛ حذرتنا من دخول الغابات حتى لا نتعرض لمخاطرها ومنها؛ الخنازير البرية والأحراش الشوكية والترع الموحلة والذئاب السوداء والمحششين. استحضرت كل تلك الكائنات المتوحشة فتوقف وسط الغابة وقد اختفت عني كل ملامح العالم المسكون ، لا أصوات ولا اضواء ولا طرقات. وحدي فأطلقت ضحكة شر البلية 😹 بدون إرادتي طبعا. وتذكرت عبارة هيجل:

هنا ينبغي للروح أن تكون قوية

هنا ينبغي للخوف أن لا يكون هو الناصح 🙏

بمعنى بلغت لحظة القبول بوضعي كما هو هنا والآن والتصرف بما هو متاح وبالامكان .احسست بهدوء مفاجئ وقررت مواصلت السير بمحاذاة النهر مع التركيز على الغابة والتلفت شمالا وجنوبا خشية الخازبر البرية التي علمت إن إناثها حينما ترى أحد ماشيا تنقض عليه بسرعة الصارخ . كنت التلمس طريقي على ضوء التلفون الآيفون الذي اوشكت بطاريته على النفاذ😳 جف ريقي من التفكير في والورطة. استمريت في السير لعلني أصل إلى طريق رئيسي باتجاه إي مدينة أو دولة رغم خشيت من دخول الحدود الألمانية المحاذية. لمحت ضوء من بين أشجار الغابة فحثثت الخطى . كانت الساعة العاشرة ليلا حينما اقتربت من منزل الفلاح في الغابة 🏡 لعلني اجد عنده الأمان . نبحث كلب المنزل وخرج صاحبه يستطلع الأمر فأطلقه باتجاهي . كلب بحجم كبير جدا جعلني اطلق قدمي للريح مثل أخيل الاثيني😹 طبعا لم يتبعني بعد أن امره صاحبه بالعودة . على بعد حولي كيلومتر من ذلك المنزل وجدت كنبة خشبية فارتمت عليها وانا في غاية الخوف والتعب . كانت الساعة الحادية عشرة ليلا. فتحت Google Maps بحثا عن طريق يؤديني للهوتيل الذي كنت أره لحظتها فردوسا مفقودا . لم اتمكن من معرفة الطريق. فقررت البقاء في ذلك المكان حتى طلوع الفجر، إذ لم اعد اقوى على مواصلة السير والحركة بسبب العطش والجوع والتعب. كنت ارتجف من الخوف والتعب مثل العصفور المبلول بالماء البارد. لم افقد الأمل فاتصل بمن اعرفهم في الهوتيل واعطوني رقم الطوارئ الهولندية . اتصلت بالرقم ولم اتمكن من توضيح طلبي بسبب ارتباكي. وبعد آخذ ورد وإلحاح جاءتني البشارة بإن ارسل موقعي وسوف يأتي لي الصديق أبو شهد في سيارته. بحثت موقع وانتظرت ربع ساعة فاذا بضوء السيارة يشق الغابة وكأنه فلق ليلة القدر . طلعت وشكرت ابو شهد وحمدت ربي الذي قدّر ولطف🙏. مع خالص شكري وتقديري لكل منّ أعانني في تجاوز تلك المحنة 😍

كانت تلك التجربة المرعبة اشبه بالصدمة النفسية . تعلمت منها الكثير وقرأت الكثير عن اضطرابات ما بعد الصدمة وعلمت إن أفضل علاج لها هو اعادة تذكرها وجعلها محطة في السيرة الذاتية ومحاولة تمثيلها في ظروف مواتية وآمنة. البارحة ذهبت مع صديقي الفنان التشكيلي الرائع رائد يعقوب والعزيز صالح أبو يزن العيسائي. سبق وان حدثتهما عن الضياع فطلبت منهما الذهاب معي إلى ذات الغابة كجزء من علاج اضطربات ما بعد الصدمة . انطلقنا الساعة السادسة مساءا وعدنا الساعة الثامنة والنصف. على مدى ساعتين ونصف قطّعنا مسافة عشرة كيلو متر. كانت رحلة ممتعة أنستني رعب الرحلة السابقة.

✍🏻خلاصة: استفدت من تلك التجربة الحدية المروعة الدرس الآتي:

اولاً: لا تسلك الطريق الذي تجهله طالما ولديك طريق آمن!.

ثانيا: حينما يكون النهار على وشك الاكتمال فلا وقت للمغامرات الجديدة،

ثالثا: حينما تكون في مواجهة موقفا حديا فعليك تُقبل وضعك والبحث في ممكنات تجاوزه بسلام.

رابعاً: حينما تكون في وضع خطر لا تجعل الخوف يسيطر عليك؛ ادعي الله وابتسم ولا تفقد الأمل وتحرك من مكانك٠