قراءة في كتاب الباحثة الهولندية مارينا دي ريخت
عرفتها عبر الفضاء، من صفحة الصديق سامي الشاطبي، زميلنا في أتحاد الأدباء. إذ استوقفني إعلان عن ندوة يعقدها المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي في إمستردام يحمل هذا العنوان( نشطاء المولدين والنضال من أجل المساواة في المواطنة في اليمن، 1970-2024) تحاضر فيها الدكتورة " مارينا دي ريجت هي أستاذة مشاركة ومديرة برنامج البكالوريوس والماجستير في قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بجامعة فريجي أمستردام. عاشت وعملت في اليمن لسنوات عديدة. تكمن خبرة مارينا البحثية في مجال النوع الاجتماعي والهجرة مع إيلاء اهتمام خاص للعمل المدفوع الأجر للنساء (المهاجرات) في اليمن وإثيوبيا. درست مجموعة متنوعة من الموضوعات مثل عمل المرأة في قطاع السجاد المغربي، وعاملات الرعاية الصحية في مشروع تنموي في اليمن، وعاملات المنازل المهاجرات في اليمن، والفتيات المهاجرات في إثيوبيا. بالإضافة إلى ذلك، لديها اهتمام كبير بتاريخ الهجرة بين اليمن والقرن الأفريقي، وقد أجرت، ولا تزال تجري بحثا عن اليمنيين المنحدرين من أصل يمني أفريقي مختلط (ما يسمى بالمولدين).
أخيرا وليس آخرا ، فهي مهتمة بمنهجيات البحث النسوية وخاصة بدور الصداقة في هذا المجال" هكذا جاء في الإعلان عن الندوة التي حرصت على حضورها رغم بعد المسافة. كان ذلك في ١١ مارس ٢٠٢٥م، بعد قرأتي لإعلان المحاضرة إياها أخذت بالبحث في الشبكة العنكبوتية عن الباحثة واهتماماتها باليمن ربما كان مبحث حرصي على حضور تلك المحاضرة المهمة يعود إلى اهمية
موضوعها (المولدون اليمنيون ومدارات حياتهم في اليمن منذ خمسين عاما) موضوع بالغة الأهمية ويعد مفتاحا منهجيا عقلانيا لفهم معضلة اليمن المستديمة هذا أول وثاني جاء مبعث حرصي بحافر فرصة اللقاء بالدكتورة مارينا دي بريخت التي تابعت مقابلتها الشفاهية باللغة العربية واللهجة اليمنية كذالك في بودكاست عرب، أوروبا باليوتيوب مع شاب يمني من مطعم البيت اليمني في إمستردام. دهشتني بمدى تمكنها من فهم الأزمة اليمنية من داخلها وربما يعود ذلك في نظري إلى كونها اهتمت بالنوع الاجتماعي فالنساء في كان مكان هن الأقرب لحقيقة الحياة ومشكلاتها الاجتماعية المحسوسة الملموسة أكثر من مجتمع الرجال الذكوري المسكون بالمظاهر الخادعة والأقنعة المزيفة لإعتبارات يطول شرحها. كما زودني الصديقي العزيز سامي الشاطبي بمقابلة ضافية اجراها معها هو بذاته ونشرها في معين برست ؛ صحيفة الاكترونية ثقافية شاملة) جاء فيها"أمضت الدكتورة مارينا دي ريخت ما يربو على ثلاثة عقود، في دراسة المجتمع اليمني وتحوّلاته. وقد أثمرت جهودها عن إصدار جملة من الدراسات والتقارير القيّمة، من أبرزها كتاب “رائدات في ظروف غير مواتية: المرشدات الصحيات وسياسات التنمية في اليمن” و “المولّدين اليمنيين في مواجهة الوصم والتمييز ” فضلا عن الكثير من الدراسات والأبحاث الأنثربولوجية المتصلة بالمرأة والتنمية عن اليمن ومنها ( ينظر، سامي الشاطبي، حوار ، مارينا دي ريخت: رحلة بحثية في أعماق المجتمع اليمني ٣١ يناير ٢٠٢٥م معين برست ؛ صحيفة الاكترونية ثقافية شاملة) بعد أيام من تلك المحاضرة بعثت لي الدكتورة مارينا نسخة ورقية من كتابها( رائدات في ظروف غير مواتية، الصادر عن دار "مهاجرون" للنشر بالقاهرة، ترجمة، محمد عبد الحميد عبد الرحمن ومراجعة سعد صلاح خالص، وهو أطروحتها في الدكتوراه في انثروبولوجيا التنمية ، جامعة إمستردام الحرة. بعثته لي مشكورة عبر البريد الأرضي مشفوعا بتوقيعها الهولندي الجميل. جاء الكتاب في ٢٧٤ صفحة من القطع الكبير بغلاف بني وري أنيق وصورة المرشدات المقبات بزيهن الأبيض والأسود وسيارة مشروع الرعاية الصحية في الحديدة. "يأتي هذا البحث ضمن سياق مشروع الرعاية الصحية الأولية، الذي يعدّ من المشاريع الكبيرة والمثمرة التي تمّ تنفيذها بالتعاون الوثيق مع المجتمع اليمنيّ. وقد كان للظروف غير المواتية التي يمرّ بها اليمن، من تحديات اقتصادية واجتماعية وصحية، أثر كبير على سير المشروع وتنفيذ أهدافه.
من خلال عملي ضمن الفريق التابع للمنظمة وعملي المباشر مع المرشدات الصحيات، اللاتي يعتبرن بحقّ رائدات في مجتمعاتهنّ، تمكّنّا من إنشاء وتطوير مراكز صحية في كلّ مجلس محليّ تقريبا. وقد لمسنا خلال هذه التجربة أهمية بالغة لتعزيز الصحة العامة، وخاصة من خلال إجراء الفحوصات الدورية والكشف المبكر عن الأمراض" وأنا أقرأ كتاب الدكتورة مارينا تداعت إلى ذاكرتي خبرة خضتها في مجال الأنثربولوجيا التنموية أؤ أنثربولوجيا التنمية إذ تذكرت مشروع البحث السريع بالمشاركة الذي اشرف عليه البنك الدولي عام ١٩٩٣م في حل مشكلة المنتفعين من قانون التأميم الاشتراكي في عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي منحت الفلاحين حق تملك أراضي الملاك الأصليين الذين كان يتم تصنيفهم من قوى الثورة المعادلة ( إقطاعيين) بعد الوحدة الاندماجية بين الجمهوريتين الجنوبية اليسارية الحديثة والشمالية العربية التقليدية في إطار الجمهورية اليمنية عام ١٩٩٠م كان لهذا الدمج المستعجل اضرار فادحة على كثير من الشرائح الاجتماعية في الجنوب الاشتراكي إذ تم طرد عشرات الآلاف من عائلات الفلاحين المنتفعين بأراضي (الاقطاعيين) تذكرت البحث السريع بالمشاركة والدورة التدريبية المكثفة التي خضعنا لها في مبنى وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بخور مكسر، كنا ثمانية أشخاصا ثلاثة من صنعاء وخمسة من عدن بادارة خبير البنك الدولي الأمريكي جيفري مايسنر وجون ماكين ومعنا الدكتور الراحل عبدالملك المقرمي والزملاء الدكتور فضل الربيعي والدكتور توفيق مجاهد والمهندس علي ناصر المرقشي ورضية عبدالعزيز من كلية الحقوق وعبدالسلام الأبي وغيرهم لم اعد اتذكر اسماهم . على مدى نصف شهر تقريبا خضعت لدورة تدريبية للبحث السريع بالمشاركة ثم انطلقنا للممارسة البحث في أربعة محافظات زراعية متضررة هي ( لحج وأبين وشبوة وحضرموت) زرانا الفلاحين المتضررين في قراهم وعملنا معهم مقابلات بحثية أنثروبولوجية فضلا عن مقابلات اصحاب الأرض الأصليين الذين عادوا بعد الوحدة اليمنية بتشجيع رسمي لأخذ ارضهم من الفلاحيين الذين تخلت عنهم الدولة وصاروا بين ليلة وضحاها بلا ماوى ولا ماء ولا مرعى! حكاية يطول شرحها. المهم نشبت حرب صيف ١٩٩٤م ونحن في فندق السلام بحضرموت، سيؤدون لهذه الغرض. حرمنا حقائبنا مع مدبر المشروع الأمريكي على المكلا وهناك في ميناء المكلا ودعناه إذ جاءت السفينة الأمريكية لتحمّله إلى بلادها في حين بقينا نحن في فندق الاعتماد بمدينة الشرج نندب حظنا و نضرب أخماسا في أسداس! المهم كتاب الدكتورة مارينا دي بريخت ( رائدات في ظروف غير مواتية) وقد شرعت في قرأتها بشغف وأهتمام عمل لي اشبه بالعصف الذهني والتغذية الراجعة في فهمالفرق بين أنثروبولوجيا التنمية والأنثروبولوجيا. إذ اتضح لي إن أنثروبولوجيا التنمية هي مجال أكاديمي نقدي يدرس عمليات التنمية وتأثيراتها على المجتمعات من منظور أنثروبولوجي وتهتم بتحليل المشاريع التنموية والسياسات والمؤسسات (مثل البنك الدولي والأمم المتحدة) وتأثيراتها على المجتمعات المحلية كما تكشف الاختلالات في عمليات التنمية وآلياتها ، التقليدية المتمثلة بالتعليم والتقنية ، والتفاوت الاقتصادي، وتجاهل الثقافة المحلية. من زاوية نظر نقدية تجاه نماذج التنمية الغربية المفروضة على المجتمعات غير الغربية.
بينما الأنثروبولوجيا التنموية تهتم بمشروعات التنمية المستدامة من خلال دمج المعرفة الأنثروبولوجية في المشاريع والسياسات التنموية من خلال تصميم وتنفيذ برامج تنموية تأخذ في الاعتبار السياقات الثقافية والاجتماعية للسكان المستهدفين وجعل التنمية أكثر ملاءمة للمجتمعات المحلية وتقليل آثارها السلبية. يشمل العمل في مجالات الأنثربولوجيا التنموية الرعاية الصحة والتعليم والتنمية الريفية.
وهذا هو المجال الذي اشتغلت عليه الدكتورة مارينا في مشروع بحثها الاكاديمي التنموي "تتعرض الباحثة في الكتاب لحياة نساء يمنيات، في حقل الرعاية الصحيّة الاوليّة، وهو بحث يزاوج بجدارة فائقة بين صرامة البحث الأكاديمي، وبين متعة السرد، والحكي، والقدرة علي التشويق، فهو( يمزج بنجاح بين النهج الأكاديمي والكتابة المفعمة بالحيوية عن قصص الحياة الشخصية لنساء عملن مع الكاتبة لسنوات في مشروع تنموى"( ينظر، عثمان حامد، منبر الحوار الديمقراطي، رائدات في ظروف غير مواتية بين متعة السرد والصرامة البحثية، مايو ٢٠٠٥)
وحينما تكون الصحة والراعية الصحية هي الهادفة والغاية من المشاريع التنموية فاعلم إن التنمية مستدامة وحينما تكون المرأة هي موضع الرعاية الصحية فاعلم إن التنمية مشروع جدير بالاهمية والقيمة ف المرأة هي مصدر ومحور كل تنمية مدنية وثقافية وحضارية ممكنة، ولا تنمية مستدامة بدون تمكين المرأة وإشراكها الفاعل في مختلف فعاليات الحياة الاجتماعية، فالتنمية شراكة مجتمعية، والمرأة هي وطن الأوطان كلها، أول منازل الكينونة المشمول بالأمن والأمان والرعاية والرضاعة والحب والحنان، والحبيبة الحضن الدافئ والسكن الحميم ثاني منازل الحب والإشباع والاستقرار والإنجاب، هذا فضلًا عن مكانتها المحورية في تشكيل العائلة والبيت والمنزل، وما لكل ذلك من دلالات اجتماعية وسيكولوجية.لقد رصدت الدكتورة مارينا لحظة خانقة في تاريخ اليمن الراهن وفهمت الأزمة اليمنية من أعماقها ففي كتابها المكرس لمشروع الرعاية الصحية الرائد في الحديدة وحياة المرشدات بموصفهن رائدات اجتماعيات في ظروف غير مواتية تكشف عن حقيقة اليمن ما ظهر منه وما بطن إذ جاء في ردها على محاورها ما يلي "وصلت إلى اليمن نهاية عام 1991. كان ذلك سنة ونصف بعد الوحدة. كان المجتمع اليمني، الشمال والجنوب، متوحدا. كان هناك عمل كثير في المستقبل، لكن أزمة الخليج بدأت مع الحرب في الكويت وصدام حسين، وعدد كبير من اليمنيين الذين رجعوا من الخليج إلى اليمن، تقريبا ثمانمائة ألف مغترب. وكان الوضع الاقتصادي والسياسي صعبا. وكنت في اليمن في عام 1994 عندما بدأت الحرب بين الشمال والجنوب. ومن تلك الأيام، أرى بأن الأوضاع تغيرت إلى العكس. وخاصة أنا، رجعت إلى هولندا عام 1998، ممّا كل سنة كنت أعود إلى هولندا، خاصة في الصيف، لأن الحرارة كانت قوية في الحديدة. كي أزور أهلي، أبي وأمي، وأصدقائي. بقيت في هولندا أثناء الحرب أشهرا.”
دائما أقول في الثلاثين سنة أن اليمن تغيرت كثيرا. آخر مرة كنت فيها في اليمن عام 2013، أصدقائي وصديقاتي يقولون بأنها تغيرت كثيرا مع الحرب. لكن من عام 2001، الحرب على الإرهابيين ودور عبد الله صالح وكل المشاكل السياسية داخل اليمن أثرت كثيرا على المجتمع اليمني.”(ينظر، سامي الشاطبي، حوار ، مارينا دي ريخت: رحلة بحثية في أعماق المجتمع اليمني ٣١ يناير ٢٠٢٥م معين برست ؛ صحيفة الاكترونية ثقافية شاملة)
يتبع في حلقة قادمة ✍🏻