آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-03:22ص

‏بين يدي النخبة الثقافة اليمنية

الأربعاء - 02 أبريل 2025 - الساعة 01:44 ص

د. ثابت الأحمدي
بقلم: د. ثابت الأحمدي
- ارشيف الكاتب


رفاق الحرف، وزملاء الكلمة..

ثمة حقيقة مُرّة في تاريخ النضال اليمني من وقتٍ مبكرٍ، لا مناص من الإشارة إليها، للعمل على تجاوزها، وخلق البدائل الإيجابيّة الأخرى، لا للانكفاء على الذات، أو الانطواء على الألم.


تتمثل هذه الحقيقة في كون المثقف اليمني يصارع وحيدًا بلا سند اجتماعي من حوله. النخبة الاجتماعية ــ في الغالب ــ خاذلة، محبطة ومتمحورة على مصالحها الخاصة. وتابعوا معي:


ــ مثّلَ الهمداني في القرن الرابع الهجري النذير الأول، بتدشينه مشروع النضال والكفاح ضد الكهانة الرسيّة التي تدمرنا اليوم؛ لكنه تعرض للسجن والتنكيل والتعذيب على يد هذه السلالة الخبيثة؛ رغم انتمائه لواحدة من كبريات قبائل اليمن، وإلى هذه الفترة كان الغزو الرسي سياسيا، لم يتمدد أفقيا بعد.


ــ ومثل القَيل نشوان بن سعيد الحميري الامتداد الثاني له في القرن السادس الهجري، وهو مع والده من أقيال اليمن الكبار، ومن زعماء قبائلها، ومع هذا خذلته النخبة الاجتماعية، فشردته السلالة الرسية إلى مارب وشبوة وحضرموت، وصادرت ممتلكاته، ولم يعد إلا آخر عمره حسيرًا كسيرًا، وقد نالت منه السنون، رغم أنه كان يمثل المنقذ التاريخي لليمن من هذه العصابة. وخلال هذه الفترة كان الغزو الرسي سياسيا وثقافيا وفكريا، تمد أفقيا بالحوزات والأربطة خلال فترة حكم الكاهن أحمد بن سليمان، أول من استورد كتب الزيدية "المناهج المدرسة" من بلاد الجيل والديلم "عراق العجم" آنذاك، وعمّمَها بالقسر وفرض النظرية بالقوة.


ــ ذات الشأن أيضا مع الإمام صالح بن مهدي المقبلي الذي حاول أن يمثل إنقاذا لبني قومه، فشردته الإمامة إلى بلاد داغستان..! لكم أن تتخيلوا. نعم إلى داغستان، وفي داغستان عظُم شأنه وقدره أهلها أيما تقدير، وشاع مذهبه الفقهي فترة من الزمن، باسم المذهب اليماني، في الوقت الذي لم تسعه منطقة الأهجر في أعالي بلاد المحويت آنذاك. "الأصح محويت، لا المحويت".


ــ تكررت المأساة ذاتها مع الإمام الشوكاني المنتمي لواحدة من أعرق القبائل اليمنية، ومع هذا لم يسلم من أذى السلالة، إلى حد الاعتداء عليه، وتكفيره، رغم أنه مثل دعامة إصلاحية كبيرة في الفكر والدين والقضاء. وشكاواه من الإمامة مرة.


ــ نموذج أخير.. أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري، المثقف والمفكر المستنير، هادم الصنم الحميدي الأول، شعرا ونثرا، والذي مثل امتدادًا صادقا لكل من سبقه من عظماء اليمن، ومع هذا أهدرَ دمه من قبل السلالة الإمامية بتعاون القبائل نفسها، أما رفاقه الجمهوريون من النخبة الاجتماعية فقد أضاعوا هذا الحق بعد استشهاده، بحفنة من المال، والحقيقة هنا مبسوطة بقلم الرئيس الإرياني في مذكراته.


في الجنوب..

ــ كان باذيب شعلة نضالية متقدة، ومع هذا لم تسعه حضرموت على سعتها، ولم تشفع له عدن بالبقاء فيها على تنوعها، ولم تحتضنه إلا تعز فترة من الوقت.

ــ وذات الشأن مع الإمام محمد بن سالم البيحاني "شوكاني الجنوب" إن صحت الاستعارة، ضاق به مسقط رأسه، كما ضاق به الجنوب بكله، ولم تسعه إلا تعز حتى آخر نفَسٍ من حياته..!

ــ قبلهما معا الأديب الكبير علي أحمد باكثير الذي احتضنته مصر ومنحته جنسيتها، وزوجته ابنتها، حتى لفظ آخر أنفاسه فيها..!

والآن.. هل اتضحت الصورة؟

وماذا بعد؟

نحن في أمس الحاجة لرتق هذه الفجوة، ومعالجة هذا الخلل. قد تكون المشكلة في هذا الطرف أو ذاك، أو قد تكون مشتركة بينهما معا.

نحن في أمس الحاجة للنضال على جبهتين معا: الرفاق من الداخل، والأعداء من الخارج. وليس لنا من عدو في اليمن إلا الإمامة المتحورة فقط لا غير. الإمامة التي دمرت ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. دمرت آباءنا بالأمش، وتدمرنا، وتدمر أبناءنا اليوم على مرأى ومسمع منا.


نحن اليوم أمام حالة تشظٍ مرعبة، سلاليون في الشمال، تمت صناعتهم على أعين اللاعبين الكبار من سنوات طويلة، وشيوخ تقليديون في الجنوب يتم إعادة إنتاجهم اليوم على أعين اللاعبين الكبار أيضا، والكل مجرد أدوات في ميادين الصراع الخارجي لا أكثر. ولسنا بحاجة لمزيد من التفصيل أو التأكيد على هذا، فلقد باتت تعرف هذا عجائز الأرياف..!

نحن اليوم أمام مسؤولية تاريخية كبيرة تجاه وطننا، تتعاظم بتعاظم حنادس الظلمة التي تلفنا، وبحجم اليأس الذي يعتري البعض؛ أما المثقف الأصيل والوطني المخلص فهيهات أن يتلبسه اليأس، أو يستبد به القنوط.


ستظل الكلمة هي النور المضي في عتمة الليل المدلهم، وسيظل الحرف المشعل المتوهج في مشوار الألف ميل، ففي موقف كهذا اليأس كفر وارتداد ونكوص. ومن يقرأ أحداث التاريخ فلن يصيبه يأس أو تعتريه ردة.

رفاق الحرف، وزملاء الكلمة.. والآن، هل اتضحت الصورة؟!

د. ثابت الأحمدي