آخر تحديث :السبت-29 مارس 2025-12:28ص

‏مطهر بن علي الإرياني.. حارس الهوية اليمانية

الإثنين - 24 مارس 2025 - الساعة 05:03 ص

د. ثابت الأحمدي
بقلم: د. ثابت الأحمدي
- ارشيف الكاتب


لطالما اشتُهر أناسٌ في حياتهم حتى بلغت شهرتهم عنان السماء، لكنهم أصبحوا نسيا منسيا بعد رحيلهم، أو بعد انتهاء طفرة الشهرة التي يغلب على بعضها الآنية، وربما ماتوا ولا يزالون على قيد الحياة. وبالمقابل فلطالما اشتهر أناس بعد رحيلهم أكثر من شهرتهم أثناء حياتهم. وثمة أناس جمعوا بين الأمرين معا، ومنهم شخصية اليوم الاستثنائية: الأديب والمؤرخ واللغوي والقاضي مطهر الإرياني الذي خلعت عليه نخبة اليمن الثقافية لقب "حارس الهوية اليمانية".


مطهر بن علي بن يحيى الإرياني المولود في العام 1933م، في حصن إريان بمحافظة إب، وسط أسرة علمية أدبية، فقهية، "دخلوا دنيا الشعر من أقرب أبوابه بلا زحام، ولهم في الشعر شهرة لا تجتمع لقبيلة، فقد قيل أن علامة بلوغ الإرياني قول الشعر"، حد تعبير الرائي البردوني.


التحق مطهر بكتاب القريةِ في سن مبكرة، فدرسَ مبادئ علوم الدين واللغة والحساب والتاريخ على أيديهم، ولعل أبرز من تتلمذ على يده أخوه الأكبر فضل بن علي الإرياني، وكان من أبرع وأذكى أقرانه، متطلعا للمزيد من طلب العلم، وهو ما دفعه لمغادرة منطقته القفر في إب، باتجاه عدن، ومنها إلى القاهرة في العام 1955م، ليلتحق بكلية دار العلوم التي تخرج منها سنة 1959م.


في القاهرة تفتح وعيه أكثر، وقرأ لرواد جيل النهضة المصريين آنذاك، مثل طه حسين والعقاد وأحمد أمين، كما اطلع على أشعار محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم، هذا إضافة إلى رصيده المعرفي السابق في الأدب واللغة، واطلاعه على الشعر الجاهلي والإسلامي، وتاريخ الأدب العربي، الأمر الذي مكنه من الجمع بين الجديد والقديم من الأساليب الشعريّة وتراكيبها اللغوية، فاشتهر شاعرًا عن جدارة، كما اشتهر مؤرخا ولغويا وفقيها بكفاءةٍ واقتدار، ومثل إضافة نوعية للمدرسة الشعرية اليمنية بعد عودته، جنبا إلى جنب مع الشعراء الكبار كالبردوني والمقالح وعلي بن علي صبرة وإبراهيم الحضراني والفضول وغيرهم.


مع الهُوية اليمنية

لكون الأديب والمؤرخ مطهر الإرياني قد اضطلع بتاريخ اليمن قديمه وحديثه، ومن ذلك تاريخ الإمامة بكهنوتها الأرعن فقد حرك فيه هذا التعمق الانتصار لهويته وتاريخه الحضاري القديم الذي تآمرت عليه الإمامة، فبدأ يصرف اهتمامه نحو قضية الهوية والحضارة والتاريخ واللغة، بما تحتوي عليه هذه المفردات من كنوزٍ علمية، فأجاد معرفة المسند اليمني وقواعده وتراكيبه، ومن ثم ترجم العديد من نصوصه التي قرأها في أماكن متفرقة، وخرج بعد ذلك بكتاب "نقوش مسندية وتعليقات" مثلت إضافة نوعية في تاريخ اليمن القديم، بمضامينها التاريخية والمعرفية وقواعدها اللغوية. وأيضا قاموسه اللغوي المتميز "المعجم اليمني في اللغة والتراث"، تتبع فيه مصطلحات وكلمات الريف اليمني، والتي لم يدخل أغلبها في قواميس اللغة المعروفة، كما اشترك مع آخرين من كبار الباحثين في تحقيق كتاب نشوان بن سعيد الحميري "شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم"، والذي يقع في أحد عشر مجلدا.


وإضافة إلى ذلك له ديوان شعر "فوق الجبل"، محتويا على عشرات القصائد التي جمع فيها بين الحميني والفصيح، مستوحيا مضامينها الموضوعية وصورها الفنية من الريف اليمني، ومن الموروث، قدم له الدكتور عبدالعزيز المقالح تقديما ضافيا يليق به، وفيه القصيدة المغناة الرائعة،

فوق الجبل حيث وكر النسر

فوق الجبل.

واقف بطل محتزم للنصر،

واقف بطل..

يزرع قُبل في صميم الصخر

يزرع قُبل..

يحرس أمل شعب

فوق القمة العالية..


إنه شاعر الريف بلا منازع الذي أبدع من الريف وإليه، أبدع غنائيا في ديوانه الشعري، كما أبدع لغويا في معجمه اللغوي.

"خطر غصن القنا".. هل هناك يمني لم يستمع لها؟ وهل هناك امرأة ريفية لم تغنّ هذه المعزوفة الرائعة؟ أو على الأقل لم تستمتع بها؟! وهل خلا منها مقيلٌ ما؟ وهل ثمة حقل بُنٍ لم تصدح فيه هذه الأغنية؟ لا أظن.


أجمل ما في الأمر بالنسبة لهذه الأغنية الخالدة هو صرف المعنى السلبي إلى المعنى الإيجابي في الأغنية الأصل "الدودحية" التي نسيها الشعب في الوقت الذي تهامى مع نظيرتها "خطر غصن القنا".


"الحب والبن" معزوفة إريانية آنسية فريدة، تتناول الذات اليمنية بأسلوب بديع، تجمع التاريخ والزراعة وألوان الغناء اليمني "بالة، مهيد، مغنى، دان". ولا يكاد يخلو صباح يمني دون أن تبث إذاعة أو قناة أغنيتَه الصباحية البهيجة التي أبدع في لحنها وأدائها الفنان أحمد السنيدار:

ما أجمل الصبح في ريف اليمن حين يطلع

ما ازهى وما ابهى سناه".


إلى جانب هذه الملحمة، له ملحمة "البالة" والتي غناها الفنان علي السمة، وتشرح عذابات ومآسي الإنسان اليمني الذي شردته الإمامة إلى شرق أفريقيا، باحثا عن مصدر رزق آخر بعد أن سطا "عسكر الجن" ــ وهم جنود الإمام بطبيعة الحال ــ على كل ما يملك. ومنها على لسان المواطن المشرد البئيس:

خرجت انا من بلادي في زمان الفنا..

أيام ما موسم الطاعون قالوا دنى

وماتوا أهلي ومن حظ النكد عشت انا

عشت ازرع الأرض واحصد روحي الذاوية

وفيها أيضا:

غنَّيت في غربتي: يا الله لا هنتنا..

ومزَّق الشوق روحي في لهيب الضنا

راجع أنا يا بلادي يا ديار الهنا..

يا جنَّتي يا ملاذي يا امي الغالية


إن أشعار وكتابات مطهر الإرياني تمثل بعثا للروح الحضارية اليمنية التي عمل كهنة الإمامة على الإساءة إليها خلال مراحل حكمهم، أو تحكمهم، فجاءت في فترة زمنية فارقة، هي فترة ما بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المعظم 1962م، إلا أنها ظلت مسعى فرديا منه، كاهتمام شخصي، فردي، بحكم سعة اطلاعه وغزارة ثقافته، ولم تتبلور تلك الاهتمامات والتوجهات في نشاط مؤسسي من قِبل الدولة.

وإلى جانب ما ذكرناه، فله أيضا ملحمته الأدبية الخالدة "المجد والألم"، والتي رد بها على دامغة الدوامغ للأديب أحمد محمد الشامي الطافحة بالعنصرية والسلالية المقيتة، على نهج "مذهبة" الكميت بن زيد الأسدي، فرد عليه مطهر الإرياني بهذه الملحمة، منتصرا لهويته اليمانية وتاريخه الحضاري العريق، ومن هذه الملحمة:


أيا وطني جعلت هواك دينا

وعشت على شعائره أمينا

إليك أزف من شعري صلاة

تُرتل في خشوع القانتينا

وفي الإيمان بالأوطان بِرٌ

وتقديسٌ لرب العالمينا

ومن يفخر بمثلك يا بلادي

فما يعنيه لوم اللائمينا

الآن، وبعد هذه الطيافة في عوالم الأديب والمؤرخ والشاعر، القيل اليماني الأصيل مطهر بن علي الإرياني، نتساءل: ألم يأن لنا أن نعيد النظر في تراث ونتاجات هذا الأديب والمفكر والمؤرخ الكبير؟ وهل عرفنا أولا القيمة العلمية لهذا العلم اليمني الشامخ؟

د. ثابت الأحمدي