من بين شخصيات الخلفاء “الراشدين”، شخصية عثمان هي الوحيدة "المؤنسنة" التي تظهر بجانبيها الجيد والسيئ معًا. يظهر عثمان، حتى في المصادر التراثية، وهو يخطئ ويضعف ويولي أقاربه ويتخذ قرارات خاطئة.
في المقابل، تظهر شخصيات الخلفاء الثلاثة الباقين (أبو بكر، عمر، علي) مقدسة ومنزهة عن كل خطأ.
ولعل سبب ظهور عثمان بوجهيه الجيد والسيئ يعود إلى أن قراراته ستؤثر لاحقًا في قدرة علي وأولاده على الوصول إلى السلطة، وهي سياسات يعجز حتى التشيع السني عن التسامح معها، حتى ولو كان الثمن تدمير أسطورة الخلافة الراشدة من جذورها.
الشخصية الثانية المؤنسنة هي معاوية، فهو يظهر قائدًا محنكًا وجامعًا للمسلمين ومحققًا للسلام والوحدة بعد الفتنة، وفي الوقت نفسه يظهر مخادعًا وطامعًا في السلطة وغير عابئ بالنموذج الإسلامي في الحكم.
وحظ معاوية هو نفس حظ عثمان، فسياساته دكّت أطماع البيت الهاشمي في السلطة، ومهما كان علي وأولاده مفتقدين للحكمة السياسية أو الحنكة العسكرية، فإن هذا لم يشفع لمعاوية في التشيع السني، الذي يقدس عليًا وأولاده ويرى أن لهم حقًا مؤكدًا في السلطة (دون أن يقدم مبررات واضحة لهذا الحق المفترض).
وتظل شخصية يزيد هي الوحيدة المشيطنة من بين حكام الخلافة "الشرعيين" حسب معايير السياسة الشرعية.
لعل النجاح الوحيد لمسلسل “معاوية” هو تقديمه صورة مؤنسنة لعلي وأولاده، فرأيناهم يخطئون ويطمعون ويصارعون من أجل السلطة. كما وضع المسلسل معاوية في موضع ندية ومساواة مع علي وأولاده، وهو شيء يرفضه السنة قبل الشيعة، ويحاربه التشيع السني قبل التشيع الشيعي.
لكن الرواية السنية لتاريخ الفتنة الكبرى وما بعدها متناقضة ومأزومة، عكس الرواية الشيعية المتناسقة رغم عنصريتها، أو بسبب عنصريتها الواضحة.
فالسنة يرون أن معاوية انتزع الخلافة من علي، دون أن يعوا أن هذا ينزع شرعية نظام الخلافة التاريخي من أساسه ويحوله إلى خروج على الحاكم وخروج على الدين. كما أنهم يرون أن الحسين كان أولى من يزيد، وأن أحفاد علي الطامعين أولى بالحكم ممن تربع على العرش الأموي، رغم أن هذا ينسف استمرارية نظام الحكم الإسلامي المزعومة، ويصور التاريخ الإسلامي في صورة سلطة غاشمة انتزعت الحكم ممن يستحقه من أبناء السلالة المقدسة.
هذا التناقض السني هو المدخل الذي استغلته عنصرية آل البيت للصمود 1400 سنة، في حين انقرض الأمويون بعد أقل من قرن على إمبراطوريتهم.