آخر تحديث :الإثنين-31 مارس 2025-07:17م

وهم القائد المنتظر: لماذا لا يمكن للجولاني أن يكون نموذجًا لحل الأزمة اليمنية؟

الإثنين - 10 فبراير 2025 - الساعة 01:56 ص

حسين الوادعي
بقلم: حسين الوادعي
- ارشيف الكاتب


انبهرت النخبة اليمنية السياسية والمثقفة بالجولاني إلى الحد الذي اختصرت فيه المشكلة اليمنية بافتقادها وجود قائد مثله، واختصار الحل بمعجزة يظهر فيها جولاني يمني يوحد الفصائل ويفتح صنعاء ويخطب خطبة النصر من الجامع الكبير، كما هو دأب الفاتحين في التاريخ البائد.


ولعل هذا التفسير نابع من عدة أخطاء اعتبارية وسياسية:


الخطأ الأول: اعتبار “فتح دمشق” امتدادًا للثورة السورية وإحياءً لموجة ثانية من الربيع المنتكس، واعتبار “الهيئة” فصيلًا من فصائل الثورة. وهذا ظنٌّ يكذّبه تاريخ الجولاني، الذي بدأ بعيدًا عن قيم الثورة وأهدافها، وكان خصمًا لها، يخطف ناشطيها، ويعذب من يرفع علمها، ويعتبر راية الثورة راية جاهلية. (لا تزال الفتاوى الداخلية للهيئة تؤكد أن راية الثورة راية جاهلية، وأن فتح دمشق تم من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن الدين، لا من أجل الثورة).


الخطأ الثاني: اعتبار سقوط النظام انتصارًا للثورة. فحسب “خنبقات” الربيع العربي، الثورة لا تموت، بل تنهض بعد كل كبوة، بينما انتهت الثورة السورية بسيطرة الجهاديين، والمصرية بانتخاب مرسي، واليمنية بصعود هادي. لكن سقوط الأسد ليس ضمانًا بقيام نظام أفضل، فهناك دائمًا ما هو أسوأ، حسب ما تعلمناه من دروس التاريخ.


الخطأ الثالث: الخلط بين المشهد اليمني، الذي تتواجد فيه أحزاب واسعة الانتشار ومنظمة بخطابها السياسي وامتداداتها العسكرية، والمشهد السوري، الذي أدى فيه التوحش الأسدي إلى خلق فراغ كبير وتشتت الانتفاضة بين مئات الفصائل الصغيرة. فالتوحيد كان ضرورة سورية، لكنه في اليمن إلغاء لثراء المشهد السياسي، والقائد المنتظر يجب أن يسعى نحو تنسيق الجهود وقيادتها، لا توحيدها.


الخطأ الرابع: أن توحيد الجولاني كان ولا يزال توحيدًا طائفيًا لم يتجاوز الدائرة السلفية الجهادية وأحلام “الكيان السني”، والطابع الطائفي للهيئة يجعل قدرتها على التوحيد الوطني شبه مستحيلة.


الخطأ الخامس: أن الجولاني لا يقود سوريا نحو الاستقرار ولا حتى نحو دولة مركزية، بقدر ما يقودها نحو حرب أهلية وتفكك اجتماعي على أسس طائفية. إن انتهاكات الهيئة وتكوينها الطائفي وخطابها الضيق كلها ألغام يتم زرعها في طريق نزاع أهلي كامن وخطير.


الخطأ السادس: المبالغة في قوة الجولاني وقدرته على تأسيس دولة. فلا ارتهانه للكفيل التركي، ولا خوفه من قادة الفصائل الشريكة، يجعله بطلًا مؤسسًا، ولا حتى يمنحه القدرة على تأسيس دولة مستقرة.


بنيت سردية الربيع العربي على أن النظام شر مطلق، والثورة خير مطلق، وأن كل جماعة مسلحة تنضم إلى الثورة هي جزء منها ومن أهدافها. لكن المجتمعات دفعت ثمنًا باهظًا لهذا الوهم، وكان أقسى مظاهره سقوط صنعاء 2014 بيد الحوثيين، وسقوط دمشق 2024 بيد الهيئة.


ولعل النخبة اليمنية قادرة على مداواة لواعج أشواقها وحبها الملتاع تجاه الجولاني بأخذ هذه الملابسات في عين الاعتبار.