الأدب والكتابة ليس مجرد قصة أو قصيدة أو رواية أو مقالة فكرية أو نقدية نقرأها للمتعة والتسلية ثم نتركها وننساها، بل هي روح الثقافة وسداها والأدباء والكُتَّاب هم ألق المدنية وذاكرتها، والثقافة بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا تعد الرهان الاستراتيجي لكل تنمية اجتماعية ممكنة، فضلا عن كونها مصدراً حيوياً للإبداع والابتكار وتهذيب وتخصيب القيم الأخلاقية والجمالية الإنسانية وتنمية الذوق العامة، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والتسامح ورحابة الأفق والأنوار والتنوير والشعور بالهوية والانتماء وغير ذلك من وظائف الثقافة الحيوية. والأدب بكل اشكاله هو أقدم من الفلسفة ويعد أول نصًا مدونًا في تاريخ الكتاب ملحمة جلجامش التي جمعت بين الشعر والأسطورة. ويمكن القول أن الأدب كل له الفضل الأول بتمهيد السبيل للفلسفة
عبر الشعر والحكاية والأسطورة. ومن الالياذية والاوديسة اليونانيتين ولدت الأفكار الفلسفية في اثينا القديمة. وفي الشعر العربي من طرفة أبن العبد ألى أبو العلا المعري والمتنبي حتى محمود درويش
إلى أحمد نسيم برقاوي تحضر الفلسفة بكل زخمها الميتافيزيقي.فلسفة الحياة والموت والوجود والعدم والحرية والاغتراب والعبث واللامعقول .الخ.
بيد أن العلاقة بين الفلسفة والأدب, ليست ذات بعدًا واحدا بل أن الوشائج التي تربطهما افضت الى تأثير متبادل بينهما. فإذا كانت الوجودية قد مارست تاثيرا على الأدب والفن والثقافة المعاصرة, فان الأدب بدوره أثر تاثيرا كبيرا على إنضاج وتفتق واندياح المزاج والقلق الفلسفي الوجودي في أوروبا منذ القرن التاسع عشر تقريبا.حيث يمكن القول: أن القلق المحموم بشأن الذات المغتربة بدأ أول ما بدا في رحاب الأدب الحديث, وذلك مع زيادة وعي الإنسان وإحساسه المتوتر بالذات الفردية , محاولا فهمها. بيد أن قلق الانسان المتقد لفهم ذاته ليس بالظاهرة المالوفة الثقافة العربية المعاصرة بل هي ظاهرة تاريخية حديثة؛ ظهرت في أوروبا بسبب النزعة الفردية, وازدياد مفهوم الإنسان لدى الإنسان, وزيادة وعي الانسان بالحرية وظمأ مقابل للحرية الواقيعة المفقودة. ويرى كامو" أن المسألة مسألة شعور بالذات متزايد الاتساع نشأ لدى الإنسان خلال مغامراته لتأكيد وجوده الحر في هذا العالم"
ولعل هذا هو ما حفزني لقراءة قصيدة كينونتي البرقاوية التي أزعم أنها تجاوزت
ما كنت اعرفه من تجارب الفلاسفة والأدباء الغربيين في توظيف الأدب فلسفيا وتوظيف الفلسفة أدبيا. مع قصيدة كينونتي للفيلسوف البرقاوي تكتمل دائرة التوظيف الجمالي الميتافيزيقا في ابهى صورها ومعانيها.
فالشعر هو لغة الكينونة وروح المعنى وحينما يكون الشاعر فيلسوفا متوحدا مع ذاته الإبداعية الخلاقة تتقد الكلمات في مجمرة المعاني وتتوهج القصيدة في تجليات الخيال الجمالي المدهش وبالشعر يستطيع الإنسان الهروب ولو لفترة وجيزة من بؤس الحياة الدنيوية ويُلقي نظرة خاطفة على الحياة الماورائية المتجاوزة. تلك هي الحالة الشعورية الأولى التي أصبت بها وأنا اقرأ قصيدة الفيلسوف أحمد نسيم برقاوي
كينونتي فقد اصبتني بحالة من الدهشة والذهول الميتافزيقي فمن أي الأبواب ينفتح المشهد ومن أي النوافذ يمكنني الاطلال على كينونة الفيلسوف المتوحدة بالدهشة والعبقرية؟! في كينونتي تمتزج الموهبة بالعبقرية؛ موهبة الشاعر المتفرد وعبقرية الفيلسوف المتوحد والموهبة تصيب الهدف الذي لا يستطيع أحد إصابته، بينما تصيب العبقرية الهدف الذي لا يستطيع أحد روئيته. بهذه القصيدة الوجودية الكاشفة سكب البرقاوي خلاصة تجربته الحياتية بضربة واحدة إذ كتب في مطلع الكينونة" حين رمتني المصادفات عابثة في متاهات الوجود
لم تستشرني
ولم تعتذر مني
لأنها عمياء لا تدري لماذا أوجدتني
ولَم يكن مقصودها أن أخوض عراكاً مع دنيا
تثخنني بالجراح وتمنحني الفرح
وما كانت غايتها أن تحملني من الهموم ما لا يُحتمل
وتمنحني أجنحة للطيران
وليس سوء النية من شيمتها،
المصادفات تلعب
ولا تدير بالاً لما نريد وما لا نريد،
ولا للأحوال التي لا تنتهي
فرحاً ،حزناً ،غضباً ،أملاً ،تشاؤماً ،فشلاً ،نجاحاً" من لا يعرف البرقاوي ولم يقرأ تجربته الفلسفية والثقافية والأدبية ورؤيته الكلية لأنا والذات والتاريخ والعالم والحضور والعدم ليس بمستطاعه فهم المعاني التي تنضح بها كينونتي فليست المعاني مع البرقاوي ملقاة على قارعة الطريقة بل هي مدمج في السياق والتجربة في الذات والحضور في اللغة والكينونة والصدفة وحدها التي تجعل من الكائن ما يمكنه أن يكونه. إذ كتب في مقال ما عساني أن اكون؟ قائلا" وما عساي أن أكون سؤال يفضي إلى ما عساي أن افعل لكي أكون. إن سؤال الكينونة ومعنى الكينونة يفترض بالضرورة سؤال الفعل. فوعي الذات بذاتها عبر وعي معناها وممارسة معناها يملؤها بكل أشكال الوجود المتعين. ويجعلها دائماً تقف أمام ذاتها معجبة، غاضبة، متسائلة، محبطة،ناجحة، مخطئة ، حزينة، سعيدة، قلقة، راضية، نافرة، مستسلمة، متمردة، متطلعة، أنها تعرف لماذا هي هي على هذا النحو وليس على نحو آخر. بمعزل عن صحة معرفتها بذاتها، تلك الصحة التي يطرحها المحلل النفسي غائصاً فيما لا تعرفه الذات عن نفسها" بهذا التعريف البرقاوي لمعنى الكينونة والكائن تغدو الكينونة مشروع حياة الكائن وتعيناتها في ممارسة الحياة اليومية الفورية المباشرة في عالم حضور الأنا الفاعل وسيرورة الذات الاجتماعية المشخصة في سياقات الواقع الاجتماعي.
أتذكر أنني قرأت ذات زمن مقالا للدكتور أحمد برقاوي يحكي فيه عن محاسن الصدف التي جمعت والديه في ليلية سعيدة وكان هو ثمرة تلك الصدفة الحانية
ثم توالت الصدف في حياتي حتى صار ما هو عليه الآن فيلسوفا متكلما أشهر من نادر على علم!
حين رمتني المصادفات
عابثة في متاهات الوجود
تلك الصورة الشعرية الزاخرة بالحس الوجودي الشجاع تلخص الى اقصى مدى ممكنة عبثية الكينونة في عالم مجهول البديات والمسارات والنهايات.
" عمياء كانت ومازالت،
خرجت من الرحم باكياً
والخروج من الرحم ولادة الدمع
والصراخ
وحين شلّحتني أمي النهد
وأبعدتني عن صدرها وحضنها
وظنت بأني فُطمت
لم تكن تدري بأنها زرعت فيّ التوق الذي لا ينقطع إلى النهد
الذئب المتيقظ في أعماقي
والذي لم تروضه السياط،
ترميه المصادفات حضن امرأة
عبثاً تحاول أن تؤنسن ما به من جموح الطبيعة الأولى.
وهكذا تحضر سيدة الحياة والكينونة حواء بصورة الأم الولادة في كينونتي البرقاوية
فالأم هي وطن الأوطان كلها هي المكان الأول للكينونة هي الزرع والرحم والحضن والضرع والأرض والدفئ والأمن والأمان والحب والسلوى والطفولة هي حنين الكائن الدائم وفي ذلك كتب البرقاوي في نهد الأرض " أيها الرحم منذ خرجت منك
وأنا أحن إليك
أيها النهد منذ فطمت منك
وأنا اشتاق إليك
أيها الحضن منذ بعدت عنك
وأنا في شوق إليك"
ففي هذا البيت شحنة بلاغية بالغة المعنى والدلالة والمعنى إذ أن الأم هنا هب استعارة مكنية عن الأرض الموطن الأم؛ أول منازل الكينونة المشمول بالأمن والأمان والرعاية والرضاعة والحب والحنان والحبيبة الحضن الدافئ والسكن الحميم وأول منازل الحب والإشباع والاستقرار والإنجاب هذا فضلًا عما يعنيه منزل الأسرة العائلة من دلالات سيكولوجية إيجابية.
أن البرقاوي وقد تجاوز ثقافة القطيع وتحرر من أوهام الكهف يكتب كينونته بلغة الأنا المتحررة من قيود المعاني المبتذلة ويجعلها تحلق في فضاءات المصادفات المدهشة " علمتني المصادفات أناشيد الولادة والدهشة
دون أن تدري
الطفل المشاغب الفوضوي الجسور
لم يخفه الليل
ولَم يصدق بأن ليل الخرائب بيت الجن
أو منزل الأشباح
ولَم يرَ مرة واحدة دم القتيل
ولَم يعاد إبليس
ولَم يصطف إلى جانب نقيضه
لم تخفه النار"
وهكذا تكون الذات المتوحدة مع ذاتها في لحظة الإلهام الشعري واكتشاف المعنى في أعالي الهمم وتجليات الجذب الفلسفي الوجودي الذي يفيض في ذاته ومن ذاته ولأجل ذاته كالنهر المتدفق بالاراء والاشرقات العسيرة المنال.
والشعر هو ثورة الشعور في لحظة الإلهام الشعري التي تأتي بغتة اشبه بقدح زناد الروح في ذات الشاعر، والإنسان بما هو كائن يحس ويشعر ويدرك وينفعل بالعالم حوله فهو كائن شعري بقدرته على محاكاة الطبيعية والحياة ومحاولة تمثلها وجدانيا بالرقص والرسم والموسيقى والإيقاع والوزن والقافية. لكن الشعر ليس مجرد محاكاة للطبيعة كما عرفه أرسطو الذي انتقد فكرة الوحي والإلهام الأفلاطونية إذ اعتبر أرسطو أن أن الشعر نشأ عن سببين كلاهما طبيعي، هما المحاكاة واللذة التي تولدها المحاكاة في ذات الإنسان وهي غريزة في الإنسان تظهر فيه منذ الطفولة، و الإنسان يختلف عن سائر الحيوان في كونه أكثرها استعداداللمحاكاة والاستمتاع بها”وهناك من عرف الشعر بانه الكلام المقفى والموزون وعرفه البرقاوي بميتا اللغة والوجود ” ففي الوقت الذي يعانق الشاعر ذاته ويعيش الغيبة مستيقظاً متناثراً على ضفاف الكينونة مزهواً يمارس أعلى درجات الحرية والحضور، إنه يحضر بوصفه فينيقاً يُبعث عبر رحم اللغة، فيظهر في المخاض الشعري مرة أخرى نرجساً يعانق ذاته في بحيرة اللغة. فالشاعر هو الميتا” وعلى الرغم من كل نظريات تعريف الشعر منذ أفلاطون وحتى أولغا أوروثكو (الأرجنتين 1920-1999) الذي كتب قائلا: ” إن الشاعر يرى ما هو شعري حتى في أكثر الأشياء عادية واليومية المعتادة” وهكذا هو الشعر مثل الحب يصعب تعريفة أنه حالة شعور مكثفة من الجذب الروحي للكائن الحاس المرهف الحواس يندمج فيها العقل الفعال والوجدان والانفعال والحدس والإحساس والتأمل والحيرة والدهشة والكشف والفرح والحزن والغضب والرغبة في التجاوز والانزعاج.
" أنا الجسد والجسد أنا
لم أغادره امتثالاً لآمر ناه
وما غادرني قط
لم يخني ولَم أخنه
وحين قادوا الأطفال إلى طقوس الختان
هربت عبر البيادر إلى الحقول البعيدة الواسعة
لأحتفظ بروح جسدي بلا نقصان
أسكن بيت اللغة الخاوي من الحراس
وبساتين حياتي بلا أسوار
كونتني الفصول كلها
وتعيش معي بلا نظام،
أنا الذي أمنح السماء أزياءها
فألونها بألوان أحوالي"
في هذه المقطع المدهش يكشف البروقاوي عن فكرته الفلسفية الاصيلة
التي طالما وبذل كل جهده وحياته في سبيلها الأنا والجسد الذي يحمله
وهو يذكر بقصيدة محمود درويش انكيدو
قمَّةُ
الإنسان
هاويةٌ …
حياةُ الفرد ناقصةٌ ، وينقُصُني
السؤالُ ، فمن سأسألُ عن عبور
النهر ؟ فانهَضْ يا شقيقَ الملح
واحملني . وأَنتَ تنامُ هل تدري
بأنك نائمٌ ؟ فانهض .. كفى نوما ً!
تحرَّكْ قبل أَن يتكاثَرَ الحكماءُ حولي
كالثعالب : [ كُلُّ شيء باطلٌ ، فاغنَمْ
حياتَكَ مثلما هِيَ برهةً حُبْلَى بسائلها ،
دَمِ العُشْب المُقَطَّرِ . عِشْ ليومك لا
لحلمك . كلُّ شيء زائلٌ . فاحذَرْ
غداً وعشِ الحياةَ الآن في امرأةٍ
تحبُّكَ . عِشْ لجسمِكَ لا لِوَهْمِكَ .
إن سؤال ما عساي أن أكون؟ وكيف السبيل لأكون؟ كما ينبغي لي أن أكون؟ غالباً،ما ينسينا سؤال الفلسفة والشعر :ما جدوى أن أكون،وما معنى أن أكون إذا كان العدم يعشعش في كينونتي ويلتهمها؟
إن سؤال ما جدوى ان أكون يجعل سؤال ما عساي ان أكون بلا معنى.فهذه المصادفة التي لا تمتلك إلا مخزوناً محدوداً من الحياة اسمه العمر حين تتأمل ذاتها ومصيرها دون هروب إلى الأساطير،تجعلها حاضرة في قلب العدم،ويخلع عن وجهها كل قناع"
تعد قصيدة كينونتي للفيلسوف الشاعر أحمد نسيم برقاوي صبوة ميتافيزيقية وجمالية في تاريخ الفكري والأدب الفلسفي
هنا تحضر الفلسفة بكل زخمها الميتافيزيقي؛ فلسفة الحياة والموت والوجود والعدم والحرية والاغتراب والعبث واللامعقول. ففي عالم يكتنفه الغموض ويحيط به العدم من جميع الجهات تبقى المصادفات هي أفق الحرية والعيش على مركبة المخاطر" كتب البرقاوي في علاقة الشعر باللغة" الوجدان الفلسفي الشعري هو في النهاية تجربة وجودية وليس تأملا باردا بالعالم .فالشاعر لا يسأل ما الموت؟ ما العدم؟ ما الحب؟ بل يعيش تجربة الموت فينقل الموت من التجربة المعيشة إلى الحدس الفلسفي – الشعر الكلي. وهذا هو معنى أن يحوّل الشاعر تجربته الوجودية المعيشة إلى تجربة كلية" وها هنا تتجسد تلك العلاقة بين الشاعر والفيلسوف واللغة.
"وأنت أيها العدم الذي يعيش في رحابي
وتمضي الوقت عابثاً بي
أدرك أنك في انتظاري
وأنك لا تمل الإنتظار
فكل الكائنات الحية وفية لعهدها لك
فاختر المكان و الزمان كما تشاء
ولكن كن مصادفة لم تخطر لي يوماً على بال"
وهكذا يكون الوجود الأصيل؛ وجود الكائن الذي يعي حدود الحياة وممكناتها ولا يستسلم للمخاوف والأخطار التي تحيط به من جميع الجهات. أنها شجاعة الكائن في تقحم دروب كينونته التي تأتي بها المصادفات السعيدة والحزينة.
النشاط الشعري هو ثوري بطبيعته، تمرين روحي ووسيلة لتحرير الدواخل. الشعر يكشف عن هذا العالم، ويخلق عالماً آخر. انه خبز المتميزين.. غذاء ملعون. يعزل ويوحد. دعوة للترحال، عودة للأرض الأولى. إلهام، تنفس، تمرين عضلي. دعاء للفراغ، حوار مع الغياب، يغذيه الضجر والحنق واليأس. انه صلاة، تجلي، حضور. تطهر، استدعاء، سحر. تعظيم، تعويض، تكثيف لللاوعي. تعبير تاريخي عن أعراق، أمم، طبقات. يرفض التاريخ وفي أحضانه تُحل كل الصراعات الموضوعية، ومعه يكتسب الإنسان وعياً بأنه أكثر من مجرد كائن عابر. هو تجربة، شعور، عاطفة، حدس، تفكير غير موجه. ابن الحظ وثمرة التخطيط. الشعر هو فن الكلام بشكل راق، لغة بدائية. طاعة قواعدٍ واختراع أخرى. تقليد للقدماء، استنساخ للواقع، استنساخ نسخة مُستنسَخة عن الفكرة. جنون، توهج، علامات. عودة إلى الطفولة، ممارسة حب، حنين إلى الجنة، إلى الجحيم، إلى البرزخ. لعب، عمل، نشاط صوفي، اعتراف، تجربة فطرية، رؤية، موسيقى، رمز، تناظُر، والقصيدة هي حلزون تصدح فيه موسيقى العالم، وحيث الأوزان والقوافي ليست سوى استجابات أو أصداء لتناسق العالم. الشعر هو تعليم أخلاقي، نموذج، كشف، رقص، نقاش، حوار داخلي. صوت الشعب، لغة المنتخَبين، كلمات الوحيد. صفاء وتلوث، مقدس وملعون، شعبي ونخبوي، جماعي وشخصي، عاري ومستور، منطوق، مرسوم، مكتوب. يمثل كل الوجوه، ولكن ثمة من يؤكد بأنه لا يمثل أي وجه فالقصيدة هي قناع يخفي الفراغ، دليل جميل على العظمة غير الضرورية لكل عمل إنساني. فالمحاكاة وحدها لا تكفي والإيقاع والوزن والقوافي وحدها لا تكفي بل ثمة سر مخفي في داخل الذات الشاعرة انها التجربة الشعرية التي لا يحظى بها كل الناس. بعضهم فقط هم ما تأتيهم تلك اللحظة الخاطفة من الانزياح الإبداعي وهي حالة أو لحظة تفرض نفسها على الشاعر دون استئذان ودون مراعاة للزمان أو المكان. تصيبه في ساعات الصباح الباكر، وفي لحظات ما قبل الإغفاء، وفي المرحاض وفي أثناء السفر وعند رؤية الجمال بكل أشكاله. تأتي كالبرق أو كالومضة وقد تضيع لأبسط المنغصات. لا يمكن للشاعر استحضار هذه اللحظة وهي لا تخضع لرغبته وإرادته وإنما هي عصية متمردة تأتي متى تشاء وتفر متى تشاء وبسرعة إن لم يدخلها الشاعر ويعيشها بكل جوارحه وحواسه قاطعاً كل صلة له بالعالم المحيط به. سأسميها “الحالة الشعرية” أو “المخاض”. أجمل الشعر هو نتاج هذه اللحظة المتمردة التي تستحوذ على الشاعر وتسيطر عليه قاطعة كل صلة له بالعادي والروتيني. في هذه الحالة يكون الشاعر منقطعاً عن ذاته وعن العالم المحيط به، يكون غير عادي أو مجنون فتغيب اللغة العادية وتحضر لغة هي وليدة الحالة الشعرية تزول بزوالها وقد ينساها الشاعر إن لم يدونها. ينساها ولا يستطيع استحضارها ثانية، حتى في حالات شعرية مثيلة. تماماً كمياه النهر التي تمر ولا تعود؛ الحالة الشعرية” هي التي تتحكم بالشاعر فتشله وتسيطر عليه وهو لا يستطيع استحضارها متى شاء، أو التحكم بها أو تكريسها. لذلك فالشاعر الشاعر قد يكتب في اليوم أكثر من قصيدة وقد تمر الأيام والأشهر دون أن يستطيع كتابة كلمة واحدة. لأنه محكوم لشيطانه أو وحيه أو لحظته الشعرية.كما عبر الناقد الجزائري حسين فاعور الساعدي. وهكذا يظل الشعر مثل غيره من أشكال الفنون الإبداعية والفكرية مرهون بالقدرات الذاتية للأشخاص القادرين على مناوشته بوصفه حالة معقدة من وعي العالم والذات كما عبر الفيلسوف أحمد نسيم برقاوي ” فهو يرسم باللغة أعماق اللاشعور الذي صار شعوراً شعرياً والشعور الذي يرهق كاهل النفس إذا لم يخرج من النفس لغة. والنفس هنا هي الذات بكل تكويناتها. ويتأسس الوعي الجمالي بانزياح للغة عن الأشياء عبر صياغة علاقة جديدة بالأشياء لا وجود لها في الواقع لكنها بنت الواقع”
أن اللغة هي وطن كينونة الكائن الذي تمكن من امتلاكها بكل تاليبها
" لاجئ سكنت قصر اللغة
المشرعة أبوابه لسحر البيان
وعمق الكلام
أقتل،حراً،ما أشاء من طغاة القول
وأصادق جن الوديان
وأطرد السائلين والفقراء المتسترين وراء أقوال تغضب روح الكلام.
لاجئ بلا وطن مسور بحدود وخارطة وأختام
ولكن المدن التي آوتني ودعتني بالدموع
والأرصفة التي شهدت انتظاراتي حفرت خطاي على جنباتها
والأشجار التي ضربت المواعيد تحن أغصانها
حفرت اسمي واسم حبيبتي على جذوعها
ويطير حمامها إلي محملاً برسائل الشوق.
لي شُرف تطل على الوجود
الوجود الذي هو أنا وأنا هو
وأكتب إيماءاته كما أشاء"
أن اللغة هي صوت الوجود كما أن السحب هي سحب السماء بحسب هيدجر. وإذا أدركنا أن اللغة هي الوجود الذي يتكلم ويفكر ويعلن عن وجوده من خلالنا فان التفكير يحمل إلى اللغة في نطقها كلمة الكينونة اللامنطوقة. واللغة هي وطن الغرباء في هذا العالم ففي الوقت الذي يعانق الشاعر ذاته ويعيش الغيبة مستيقظاً متناثراً على ضفاف الكينونة مزهواً يمارس أعلى درجات الحرية والحضور، إنه يحضر بوصفه فينيقاً يُبعث عبر رحم اللغة، فيظهر في المخاض الشعري مرة أخرى نرجساً يعانق ذاته في بحيرة اللغة. فالشاعر هو الميتا.
وهكذا بدأت الفلسفة آدابًا أسطوريا ثم تمكنت اخيرا من استعادة الأدب لتجعل منه حصان طروادة لتسرب الأفكار الفلسفية في ثنايا الثقافة العربية المعاصرة ومن لم تطربه الفلسفة تطربه القصيدة والشعر ديوان العرب.